شهدت النهضة الحسينيّة الخالدة ظهور أدوارٍ نسائيّة مِعطاء ومواقف مُشرِّفة ومُشرِقة، سجّلها التأريخُ بأرقى دورٍ وأنقى صفحة و منها نساء بني أسد في يوم الثالث عشر من محرم الحرام سنة ٦١ هجري عندما خرجن يستقين من نهر الفرات, وإذا بجثث مُطرحة على وجه الصعيد، تشخب دماؤهم كأنهم قُتلِوا ليومهم, فرجعن إلى عشيرتهن صارخاتٍ باكياتٍ, وقلن: أنتم جالسون في بيوتكم, وهذا الامام الحسين (عليه السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وصحبته مجزرون كالأضاحي على الرمال, فبماذا تعتذرون من رسول الله، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، إذا وردتم عليهم؟ فإن فاتتكم نصرة الامام الحسين (عليه السلا م)، فقوموا الآن إلى الأجساد الزكية فواروها, فإن لم تدفنوها؟ نحن نتولى دفنها بأنفسنا، فجاء الرجال همتهم دفن الأجساد الطاهرة, لكنهم لا يعرفون من هذا؟ و من هنا تشرفت نساء هذه القبيلة مع رجال بني أسد بمساعدة الإمام السجاد(ع) بدفن الجثث الطاهرة بعد معركة الطف، ومنذ تلك الفترة وحتى اليوم يمارس أبناء هذه القبيلة مراسيمهم الخاصة بالخروج في يوم الثالث عشر من المحرم في كل عام لاستذكار هذا الحدث العظيم و مشاركة نساء بني أسد في هذا اليوم جاء تيمنا بالذكرى التاريخية لهذا اليوم الذي يتحدث عن قيام نساء قبيلة بني أسد في يوم الثالث عشر من محرم الحرام.
Cultural
إحياء روح التعقل في ضـــــــوء ثقافة الأربعينية الحسينية
يتكون الإنسان من بعدين، بعد مادي وبعد ماوراء المادة. وإن حفظ السلامة الأخلاقية في ظل العقلانية یعتبر مسألة في غاية الأهمية. فإذا سيطر عقل الإنسان على قوة مشاعره وإحساسیه وخياله وأوهامه، ستتشكل لدیه تفاعلات صحيحة ومتوازنة في جميع الأبعاد، سواء علی صعید الأخلاق الفردية أو في الأخلاق الاجتماعية، وبالنتیجة ستتسع الفضائل لدیه. إن البعد العقلاني للإنسان یحظی بمكانة تتجاوز أبعاده الوجودیة الأخرى. والعقل هو المصدر الوحيد لكل الكمالات النظرية والعملية. من هنا فإن التربية الفكرية هي مجموعة من التدابير والإجراءات التي توفر أسباب نمو العقل وتنميته في الجانبين النظري والعملي بطريقة منتظمة ومنظمة )بهشتی، 13:2007 و 89:2011)
إن أصحاب العلوم المختلفة لديهم تفسيرات متنوعة ومختلفة للكمال الإنساني. فكل إنسان يعرف الكمال في مجال عمله، ولكن الكلمة الأخيرة یقولها خالق الكون،سبحانه وتعالی ومن أصدق منه قولاً؟ وحسب ماجاء في روایات المعصومين فأن جمیع الكمال یكمن في التفقه في الدين. والتفقه في الدين یعني معرفة الدین والایمان به. وإذا علم أحد بأن الله هو الخالق والمدبر والمعلم للعالم والإنسان في العالم كله، وهو الذي خلق جمیع الكمالات والجمالات وهو الذي یتحكم بكل هذه الامور، فمن الطبیعي انه لن يغفل عن الله تعالی في تعلم الكمال وإذا بلغ الكمال فانه سيجتهد دون شك لنشره مرضاة لله عزوجل. ان مشكلتنا في النقص وعدم الوصول إلى الكمال هو النسيان. وعلى الإنسان أن يفهم العلوم والمعارف الإلهية جيداً ويعمل بها. فإذا أردنا أن نكون كاملين، فلا سبيل سوى تهذيب النفس؛ ولذلك فإن الكمال الذي أقره الفقه والدين هو التقرب إلى الله. وقد تم تقديم الأنبياء والأولیاء كبشر متكاملين، وان كلام الأئمة، كله نور، یهدف إلى تبیان الطريق الرئيسي والأصلي الذي یقود الإنسان إلى الكمال )جوادي الآملي،1390:61-52)
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هوانه لماذا تسطع كربلاء دائما كالشمس في سماء الشهادة والتضحية وتربي شهداء الفضيلة والحق؟ الدلیل واضح. وهو ان المتمسكین بالولایة قد استناروا بنور العلم والعقل والمعرفة. فنور المعرفة هو كالشمس، ونور العقل كالقمر، ونور العلم كالنجم. فنور المعرفة یسیطر علی هوی النفس، ونور العقل يكبح الشهوة، ونور المعرفة یسترعلی الجهل. فهم بنور المعرفة يرون الحق، وبنور العقل يعملون بالحق، وبنور المعرفة يطبقون الحق ويعملون به. وهذه الأنوار الساطعة رفعتهم من الأرض إلى السماء. (بهشتي، 2018: 243-242) .ان جزء من ثقافة الأربعين الحسينية هي ثقافة التضحية والاستشهاد. الاستشهاد يعني الخبر القاطع، یعني الشهادة، القسم، الإستشهاد في سبيل الله،(التضحية والاستشهاد)في العالم المرئي مقابل العالم غير المرئي الذي لا يمكن رؤيته. والشهيد هو الشاهد الصادق في الشهادة والمطّلع علی جمیع الأمور. (البستاني، 2015، ترجمة بندر ريجي: 349)
لقد أحيا الإمام الحسين سید الشهداء في ملحمة يوم عاشوراء روح الحكمة والتفوق الروحي لكثير من الناس في عصور وقرون عديدة. وكان بنور علمه يسقي طلاب العلم والمعرفة دائماً وهدی المحبين من الدنيا الفانية إلى الدنيا الباقية وبیّن لهم طريق الكرامة واحترام الذات حتى يعيشوا بكرامة ويحافظوا على إنسانيتهم ویتركوا هذا العالم بعز وكرامة. إن السيرة العملية للإمام وأساليبه التعليمية في يوم عاشوراء هي بمثابة جامعة لتنمية الإنسانية وإحياء روح العقل والحكمة. فقد تمكن الحسين(ع) بتنمیة أتباعه وانصاره المخلصين فكريا ومعرفيا حتى تمكنوا من الحصول على سعادة الدنيا والآخرة من خلال تمييز الحق من الباطل في المكان والوقت المناسب والوصول إلى تلك المنزلة السامية وینالون رضا الخالق سبحانه وتعالی. ومن الدروس التربوية المستفادة من ثقافة الأربعين الحسينية هوأنه ينبغي إيلاء أهمية أكبر للتربية العقلانية للناس حتى يتمكنوا في المراحل الحرجة والحاسمة والمصیریة للحیاة من اتخاذ القرارات الصحيحة والسلیمة التي تجعل الأجيال القادمة تفتخر بها.
أساليب التربية الفكرية في ثقافة الأربعينية الحسينية وهنا نشير الى أساليب التربية الفكرية في ثقافة الأربعينية الحسينية:
1 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من الأساليب التي حظيت باهتمام كبير في سيرة الإمام الحسين(ع)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ التي لازالت أثارها باقية حتى الآن ولها تأثير تربوي كبير في مختلف جوانب حياة الإنسان. فالوعي والبصيرة هو الشرط الأساسي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي الإسلام لا يقتصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حد معين. فكل الأهداف الإسلامية الإيجابية تىخل في اطار المعروف، وجميع الأهداف الإسلامية السلبية تدخل في اطار المنكر. فالقيام بالعمل الصالح ومراعات التقوى يعتبر افضل الامر بالمعروف (المطهري، 2017: 224-264). وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر درجات، وهي: معرفة المستوى : متوسط وعالي. فمعرفة المستوى يعني الإنكار القلبي، والمرتبة الوسطى هو الإنكار باللسان، والمستوى الأعلى هو الإنكار باليد والسلاح. ومن المؤكد أن الإنكار القلبي هو مقدمة للإنكار باللسان الإنكار باللسان هومقدمة للإنكار باليد والسلاح. ونتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مرتبته العالية، هي أن تنتصر كلمة الله وتصبح العليا فيما تسقط كلمة الظالمين وتصبح الكلمة السفلى (بهشتی، ٢٣٣:١٣٩٧-٢٢٩). فقد كانت شعارات الامام الحسين شعارات «الإحياء».لذلك نحن نريد «تجديد الحياة» في يوم عاشوراء في كل عام. ونريد في هذا اليوم أن نغتسل ونتطهر في الكوثر الحسيني، لنغسل أرواحنا، لنحيي أنفسنا. نريد أن يبقى فينا حس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشعور الاستشهاد، وشعور الجهاد، وشعور التضحية في سبيل الحق، هذه هي فلسفة عاشوراء (المطهري، 2017: 175-174). فقد كان أساس الحركة الحسينية هو هذه الرؤية العالمية القائلة بأن الحق هو المنتصر في نظام الوجود؛ سواء كان يمتلك قوة مادية أم لا، وان الباطل أيضًا محكوم بالفشل (جوادي الأملي، 2016: 55-59). لقد تحدثت السيدة زينب (عليها السلام) بعد عاشوراء في مجلس ابن زياد بكل شجاعة وثبات، الشجاعة والثبات الناجم عن الإيمان القوي بالله تعالى والتربية الصحيحة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام): ودافعت عن الاهداف والتطلعات المحقة للإمام الحسين(ع) وأدانت ائمة الكفر و الباطل. وكان سلوكها مصداقا بارزا ً وكاملاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتآسيساَ على ماذكرنا ينبغي في ظل ثقافة الأربعينية الحسينية، احياء روح المطالبة بالحق وتنفيذ الأوامر الألهية وتجذيرها في كيان كل شخص.
2 الإیثار
الإیثار یعني التضحية بالنفس، والتضحية من أجل الآخرين، وتفضيل مصلحة الآخرين على المصلحة الذاتیة. وفي الإیثار یكمن حب الخیر للآخرين. ولتكريم الإیثار يقول الله عز وجل في سورة الإنسان: :»وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» (سورة الانسان :٨-٩).
ان واقعة كربلاء هي تجسيد عملي للإسلام. فقد ظهرت شمولیة الإسلام في الحركة الحسينية. وواقعة كربلاء هي مسرح لعرض الأخلاق الإسلامية (المروة، الإیثار والوفاء، والمساواة الإسلامية، التضحية). ومن العناصر الأخلاقية المهمة في هذه الحادثة هو الإیثار والتضحية. فهل تجدون انموذجاً للإیثار والتضحية أفضل من قصة أبو الفضل العباس؟ عندما اجتاز أربعة آلاف من الحراس المكلفین بحراسة شريعة الفرات، ودخل ماء الشریعة هو وفرسه، فما إن ملأ قربة الماء التي كان یحملها، غرف بيده بعض الماء واراد ان يشربه. وثمة افراد كانوا یرونه من بعيد. قالوا: رأيناه لم يشرب الماء.بل سكبه في البداية، لم يفهم أحد لماذا فعل مثل هذا الشيء. وعن الأشعار التي قرأها أبو الفضل يقول التاريخ: انه تذكر ان أخاه كان عطشاناً، فقال لا ينبغي للحسين أن يعطش في الخيمة وأن أشرب الماء. فيخاطب نفسه فيقول:.
يا نفس من بعد الحسين هوني فبعده لا كنت أن تكوني هذا الحسين شارب المنون و تشربين بارد المعين هيهات ما هذا فعال ديني و لا فعال صادق اليقين
3 الصبر والحلم
لقد اشار القرآن الكريم الی أهمية ودور الصبر والحلم والتسامح في مختلف مراحل حياة الإنسان، وأنه لا بد لطالب العلم والمعرفة الإلهية أن يفكر في مثل هذه الآيات ویتدبرها. فمفردة «الشكر» ومفردة «الصبر» كلاهما فضيلة أخلاقية تنمو في سياق التربية العقلانية؛ لأن الإنسان عندما يعرف طريقة التفكير الصحيحة ويتطور روحياً، ستظهر الفضائل الأخلاقية في سلوكه وأفعاله، وسيظهر لدیه الأداء المعقول والصحيح. إن الحفاظ على روح الشكر والتسامح وتعزيزهما على نطاق واسع لدى أفراد المجتمع يزيد من الحيوية النفسية والصحة الأخلاقية. واستناداً إلى الآية 63 من سورة الفرقان «وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا»، نستنتج أن الناس ينمون فكرياً في ظل معرفة الله وعبادته، وهم یتمتعون بالحلم جداً في تعاملاتهم مع الآخرين، وحلمهم وصبرهم هذا ناجم من تكاملهم العقلي .
والقدرات البشرية بطبيعة الحال،ليست متساوية، فهي كثیرة لدی البعض وقلیلة لدی البعض الاخر. والقدرة الوجودیة للإنسان تخضع لعوامل وظروف مختلفة، منها مستوی الإيمان والمعرفة؛ لكن الموضوع والامر المهم هو أن الإنسان يستطيع في ظل عبادة الله عز وجل والعمل بالفضائل الأخلاقية وترك الرذائل الأخلاقية ونحو ذلك أن يربي نفسه ویدرب روحه ويصل الی مرحلة شرح الصدر حیث يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «ألم نشرح لك صدرك» ومعنى شرح الصدر هنا هو تنمية روح النبي وعقله، وهذا التطوير يمكن أن يكون له معنى واسع يشمل كلا من الاتساع العلمي للنبي من خلال الوحي والرسالة، وتنمیة واتساع تسامحه وتحمله وصبره واستقامته. وصموده في مواجهة عناد وتحدیات الأعداء والمعارضين. ولذلك عندما تم تفویض مهمة دعوة فرعون المتمرد الی موسى بن عمران «اذهب الی فرعون انه طغی» يقول موسى «رَبِّ أَشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسَر لِي اَمْرِي» (طه:25-26)
وفي مكان آخر جاء في مخاطبة النبي الكريم :»فاصبر لحكم ربك و لاتكن كصاحب الحوت»،یعني النبي يونس «إلذي تعرض الی كل تلك المشاكل والمرارة بسبب ترك الصبر اللازم» (القلم: 48). وشرح الصدر هو في الواقع النقطة المقابلة لضيق الصدر (مكارم الشيرازي، 1374، المجلد 27: 122)؛ كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم أيضا: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ». (سورة الانعام:١٢٥). ومعنى «الصدر» هنا الروح والفكر، ومعنى الشرح هو نفس اتساع الروح وارتفاع مستوی الفكر واتساع أفق الفكر الإنساني، لأن قبول الحق يتطلب غض النظر عن المصالح الشخصية ومثل هذا الأمر لا یتقبله سوی أصحاب النفوس الواسعة والأفكار السامية. وفي هذه الآية تعتبر (سعة الصدر) من النعم العظيمة ويعتبر ضيق الصدر من العقوبات الإلهية (مكارم الشيرازي، 1374، المجلد 5: 434-436).
لقد كانت عائلة أبي عبد الله الحسين مرآة كاملة للصبر والتسامح، فقد استطاع ابناء هذه العائلة تحمل كل المصائب في يوم عاشوراء، وبعد ذلك تعرضوا إلى الأسر ودافعوا عن كیان الإسلام. وفي اثناء ذلك، كان دور السیدة زينب واضح وبارزجدا. ففي حین انها كانت قد فقدت جميع أحبائها واعضاء العائلة، كان يجب عليها بعد ذلك أن تظهر في دور الداعم الروحي لنساء وعائلة الإمام الحسين(ع). وإحد الجملات التي بقیت خالدة في ملحمة عاشوراء الحسين هي الجملة الثمينة التي قالتها السیدة زينب الكبری (عليها السلام). عندما كان ابن زياد يتباهى بانتصاره الظاهري، فقالت زينب (عليها السلام): «ما رأیت الا جمیلا«، وبهذا الشكل الجمت وافحمت ابن زياد. وهناك سيدة أخرى تعتبر حقاً رمزاً للصبر في الملحمة الحسينية،وهي السیدة رباب (عليها السلام) الزوجة العظیمة لأبي عبد الله الحسين(ع).
هذه السيدة العظیمة احترقت كالشمعة حتى اللحظات الأخيرة من عمرها الغالي بسبب ألم فراق الإمام الحسين وابنها علي الأصغر وأصبحت مظهراً وانموذجاً للصبر. وهذه النماذج المثالية للعقیدة والأخلاق والسلوك ستكون بالنسبة لنا أفضل قدوة حقیقیة للصبر والتحمل في الحياة، حتى لانشعر بالعجز من أقل مشكلة في الحياة وان نزید من درحة صبرنا وتحملنا وان ننظر إلى الدنيا وما یحري فيها من زاویة وافاق اكبر.
4 التوبة
ان التوبة هي طريق لابتعاد الإنسان من الشر، والاتجاه واللجوء إلى الله تعالى. فإذا لم يكن هناك سبيل إلى التوبة واللجوء إلى الله، سيبقى الإنسان في أسفل مرتبه، ولا يتمكن من تحقيق أي نوع من الكمال والسعادة (النور: 31). وللتوبة مراتب، ولكل إنسان توبة بحسب مرتبته ومستواه. وتوبة العبد تكون دائما بين توبتين من الله عز وجل، إحداهماعودة الرب الله الرحيم إلى عبده تحنناً منه ورحمة ليتمكن العبد من الاستغفار والتوبة، والأخرى عودة الرب لله إلى العبد لقبوله وقبول توبته (سورة البقرة :الایة 37). إن التوبة الحقيقية، وهي التوبة النصوح(النقية والصادقة)، تحدث تحولاً في الإنسان، بحيث تجعله جدیراً ليغفر الله ذنوبه بلطفه ورحمته (سورة التحريم: الایة 83). فإذا تحققت التوبة فإن الله بفضله ورحمته يبدل سيئات عباده إلى حسنات (سورة الفرقان: الایة 70) (دلشاد تهراني، 2006: 305-309).
ان التوبة تطهر القلب، وتمحو وتزیل الذنوب والصفات السيئة، وتمهد الامور لنشاط العقل الحر (بهشتي، 2007: 281). والتوبة تنزل الرحمة الإلهية. وهي الخطوة الأولى في تهذيب النفس. وقد تم في القرآن الكريم الاشارة الی أشياء كثيرة كأسباب لمغفرة الذنوب ومحوها، ومنها التوبة. فالتوبة علاج لكثير من الأمراض النفسية كالتكبر والكبرياء..
فالإنسان المتطور فكرياً لا يعاني من مرض نفسي لأنه يهذب نفسه وروحه دائماً من خلال تطبيقه لأساليب مثل التوبة وينال رحمة الله ومغفرته. والحر بن يزيد الریاحی رغم أن قلبه كان مع الإمام الحسين، إلا أنه بسبب الأوامر التي تلقاها من عبيد الله بن زياد، قطع الطريق على الإمام الحسين ورفع سيفه على الإمام ومنع سید الشهداء من دخول مدينة الكوفة كما منعه من العودة إلى المدينة المنورة. وأجبره على دخول وادي كربلاء. ولهذا السبب ارتكب الحر بن یزید الرياحي ذنباً عظيماً لأنه أخذ الإمام إلى مكان لا عودة منه. الا ان الحر لم يكن يتوقع أنه ستحدث في نهاية الأمر حربا ويستشهد الإمام الحسين، لذلك عندما رأى الحر ان الأحداث في يوم عاشوراء تتطور بشكل يؤدي إلى الحرب.أسرع نحو الإمام الحسين ومن أجل التوبة، قام برعایة بعض الآداب التي يمكن أن تكون درسًا لنا. حیث ذهب الحر بن یزید الرياحي إلى الإمام الحسين وهو نادم ومنهار وقال بندم كامل: «هل لي من توبة « فجاءه الرد: «ارفع رأسك« والخطوة الثالثة التي قام بها الحر من اجل التوبة هو التعویض عن الأخطاء التي ارتكبها من هنا عندما رأی محبة الإمام الحسين طلب من الإمام ان یذهب الی ميدان القتال ويضحي بحياته من أجل أبا عبد الله الحسين، وعندما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة لم یقم مثل بقیة الانصار الذين كانوا ینادون الإمام الحسين في اللحظات الأخيرة من استشهادهم، بمناداة الإمام الحسين، لكن الإمام الحسين كان من آل الكرم والكرامات اذ جاء الیه ووقف فوق رأسه وقال له انت حر كما سمتك ّامك حرا، انت حر في الدنیا و الآخرة.!»
إن ثقافة الأربعين الحسيني تخلق فينا هذا الاعتقاد وهذه الرؤیة بانه يجب أن نسعى دائمًا لمحاسبة ومراقبة النفس والتأمل فيها وان لانغفل طریق التوبة في أي لحظة من حياتنا وان نحافظ على آداب العبادة عند الله عز وجل، حتى تكون عاقبتنا خیراً إن شاء الله.
5 بناء الذات واستعادتها
ان أكبرعدو للإنسان هو نفسه الامارة و أسلوب بناء وتطوير الذات يؤدي إلى تنمية العقل، ويمهد لتحصيل العلوم النافعة؛ وبهذا الشكل يتعلم العلوم الصحیحة التي تقود الی إصلاح الأخلاق. فكل مخلوق في طريق تطوره الطبيعي، يسلك طريق الكمال، وينتقل في الواقع من (الذات الضعيفة) إلى (الذات القوية). كما أن انحراف أي مخلوق عن طريق التطور الحقيقي هو انحراف عن ذاته. إن استعادة الذات يتطلب معرفة الذات ومعرفة الخالق.
ومن هنا يتبين لماذا يكون ذكر الله مصدر حياة قلب الانسان وسكینة روحه وصحوته ووعيه. فالعبادة تعيد الإنسان إلى ذاته وتعيد الناس إلى رشدهم وتوقظهم وتوعیهم (المطهري، 2012: 286-290). ویتضح من الآية 282 من سورة البقرة والآية 56 من سورة الذاريات أن للخلق هدفين: أحدهما أن يصبح المحتمع البشري عابداً والآخر أن یكون هذا المجتمع عالماً، وعندما يجتمع هذان الهدفان معاً فانهما یلدان العقل. وذلك لأن العقل هو خلاصة المعرفة الصحيحة والعمل الصالح، من هنا فإن الهدف من الخلقة هو جعل المجتمع البشري عاقلاً وحكيماً (جوادي أملي، 2010، ص 320). والعلاقة بين الإنسان والعالم من وجهة نظر الإسلام، ليست من نوع العلاقة بين السجين والسجن وبین البئر ومن سقط في البئر، بل هي علاقة بين الفلاح والمزرعة 2، أو بین الحصان العداء وميدان المسابقة سباق3، أو بین العابد والمعبود4. فالعالم في وجهة نظر الإسلام هو مدرسة الإنسان ومكان تعليم وتربیة الإنسان ومكان تطوره (المطهري، 2012: 259). ان ازدهار العقل یتم في ظل نور المعرفة. وهناك نوعان من العلوم: العلم المضيف والعلم المكتسب أو الضيف. والعلم المضيف هو العلم الفطري والعقلي الذي وضعه الله في روح الإنسان.وهذا الرأسمال لایزول؛ ولكنه یصبح ضعيف ومغطی، من هنا يجب الحذر من تغطيته بغبار الإتجاهات المادية. والعلم الضیف هو العلم الذي يتم تدريسه، ومثل هذا العلم لا يدوم. وإذا سيطر العقل على قوى الإنسان فإنه سینظم جميع علومه ومعارفه.
ومن ناحية أخرى، فإن للوحي واجبين تجاه العقل: أحدهما تأیید العقل والآخر ازدهاره (جوادي الاملي، 2016: 126-129). والجهاد في سبيل الله ثلاثة أنواع: الجهاد الأصغر (محاربة العدو الخارجي في ساحة المعركة)، والجهاد ألأوسط (صراع الإنسان الداخلي مع نفسه حول القضايا الأخلاقية مثل العدل والظلم/ الحق والباطل/ الصدق والكذب/ والخیر والشر) والجهاد الأكبر (الصراع بین العقل والحب؛ في هذه المعركة يقول العقل أنا أفهم الحقيقة، فیما يجيب الحب : الفهم لا يكفي، وینبغي مشاهدة الحق والحقيقة). وتعتبر نهضة سید الشهداء الدموية نموذجًا عظيمًا وحقيقيًا للجهاد الأكبر (بهشتي، 2018: 193-194).
«ان كوثر العلم والمعرفة الإلهية يتحقق بالجهاد الأكبر. والكمال يكمن في تهذيب النفس، وتهذيب النفس رهین عدم السماح للغرباء بالدخول إلى حریم القلب. والكمال الذي أقره الفقه والدين هو التقرب إلى الله. والكمال رهین الشعور بالخطر والإستغفار. والكمال هو نتيجة تطبیق العلم « (جوادي أملي، 2010: 56-61). من هنا لایوجد هناك أنانية وغرور في الملحمة الحسينية، وانما هي ملحمة مليئة بروح العبودیة والمطالبة بالحق والعدل والصلاح (المطهري، 2017: 38).
وبحسب تعاليم القرآن الكريم فإن الدنيا هي مزرعة الآخرة. لذا فإن الإنسان الذي يعرف جوهر وجوده يحاول أن يقدم الأفضل لحياته في الآخرة؛ ولذلك فهو يوجه نواياه وأفعاله في مسیرالقرب إلى الله. وأعلى درجات القرب من الله للإنسان تتحقق عندما يصل الإنسان إلى مستوى عالٍ من الوعي والمعرفة بقيمته الوجودية وعظمة وشأن الله تعالى؛ ولذلك كلما زادت معرفة الإنسان بالله تعالى كلما ازداد قرباً منه. وفي هذا التقرب، يلعب العلم وارادة الإنسان دورًا أساسيًا؛ ولذلك، قد لا يصل كل الناس إلى هذه المرحلة. وإن القرب الذي يصل إليه الإنسان الكامل هو ادراكه العميق لعلاقته بالله(عزوجل). ان جزء من معرفة الذات یأتي نتيجة البحث العقلاني للانسان. فإذا لم تعمل قوة التفكير والفهم بشكل صحيح ولم تتطور الفطرة السليمة لدى الإنسان، فإنه لا يفهم ولایدرك هذه الضرورة ويكتفي بحياته الفسيولوجية البسیطة والعادیة، ويقع في فخ الإهمال، بل ويصبح أسفل من الحيوان. لأنه لم یعرف جوهرة وجوده الثمينة إن الأشخاص والاشخاص الذين تربوا في ظل النهضة الحسينية قد ادركوا في ثقافة الأربعين الحسينية أهمية وضرورة هذا الأسلوب التعليمي وسعوا إلى كمال أنفسهم. وفي الأربعين الحسينية، یحظی الناس بفرصة جيدة للخلوة مع الله سبحانه وتعالی والتأمل في ذاتهم و أنفسهم. فمن خلال دراسة سيرة أبي عبد الله الحسين يتمكن الانسان من ان یصل الی معرفة الذات ومن ثم معرفة الرب بقدر حجم استیعابه الوحودي واستعداده. ان الأربعين الحسينية هي فترة لتهذیب النفس، وبعد التطهير من الذنوب بماء التوبة، يأتي وقت الزینة بالفضائل، وهذا الأمر سیصبح ممكنا أيضًا في ضوء معرفة الله ومعرفة الذات.
1 تحقق الحدس(الأدراك) القلبي
ان العقل يساهم في تحقيق ما تم تحقيقه من خلال الحدس والأدراك القلبي. والبرهان العقلي بالنسبة لمشاهدات السالكین في طریق الاكتشاف یعتبر كالمنطق عند فلاسفة العلوم العضوية. من هنا إذا أدى الاتصال والارتباط بالطريق الخارجي للمعرفة، وهو طريق الوحي والإلهام للأنبياء والطريق الذي يسلكه القلب، إلى إدراك الحقائق العامة التي عرفها وادركها الأنبياء العظام والأئمة المعصومون، لن يكون هناك احتمال للخطأ في نتائجه. ان نشأة المخلصین هي نشأة الحق الأصیل، لأنه لا سبيل للشيطان للنفوذ في تلك النشأة (الحجر:40).
إن نشأة العقل والملاحظات المرتبطة بالعقل المحض خارجة عن سيطرة الشيطان.. وان معرفة الائمة المعصومین، یتم بطريقتين داخليتين للمعرفة، وهما طريق العقل وطريق تهذيب النفس، وكذلك الاتصال والارتباط بین هاتين الطريقتين الباطنتين للمعرفة مع بعضهما البعض (جوادي أملي، 1387). : 312-309).
كان الإمام الحسين یرید ان یربي في مدرسته تثقيف الناس بالحدس والأدراك القلبي. وكان يريد أن يعطي بصيرة كاملة وحدسًا كاملاً لأصحابه (بهشتي، 237: 1397). في الأربعينية الحسينية، تم توفير الأرضية للوصول إلى أعلى مستوى من المعرفة، وهو أدراك الحق والحقيقة. حیث يتجاوزون دائرة الحدس والأدراك والعقل ويذوبون في الجمال الروحي. ویصبح اجتیاز المصاعب بالنسبة لهم سهل للغایة بحیث یبذلوا كل مالدیم بسهولة لأنهم ذابوا في جمال الحق والحقيقة، ومن اجل الوصول الی تلك المحبة الإلهية التي ترسخت في وجودهم والتي زرعها حب الحسین في قلوبهم، تراهم یقطعون الطریق بحب وشغف ویتخلون عن أنفسهم وعن علائقهم الدنيوية بسهولة ويجتهدون من اجل الوصول إلى الحق والحدس بشكل أكمل. نعم، إن الإمام الحسين يوقظ قلوب محبيه ليجتازوا بسرعة كل عقبات ومصاعب الدنیا وان يجهزوا أنفسهم للتقرب اكثر واكثر.
2 عزة النفس (الكرامة)
منذ بداية الخليقة، نظر الله إلى الإنسان بلطف وأعطاه شخصية ويتوقع منه أن يتصرف وفقًا لوجوده القيم. «فالعزة تعني الشموخ ورفض الذل والدناءة، والسمو الروحي، وقد جعل الله تبارك وتعالى الإنسان فخوراً بأنه خلق كريم، حتى يبلغ الكمالات الإلهية في مجال عزة وكرامة الذات.
إن الله تعالى كريم وقد وهب الإنسان جوهر الكرامة ویربیه على أساس العزة والكرامة. والإنسان يحفظ كرامته الذاتیة بالتقوى، وقد ألهمه الله التقوى حتى يمهد له طريق العز والكرامة. فإذا بلغ الإنسان التقوى أصبح كریماً، لأن التقوى هي بؤرة الكرامة» (دلشاد الطهراني، 2005: 218-223). و النهضة الحسينية أصبحت عاملاً في تكوین هوية وشخصیة المجتمع الإسلامي. والإحساس والشعور بالشخصية يجعل المجتمع يشعر بالإستغناء عن المجتمعات الأخرى. وأكثر من تعلم هذا الدرس في الملحمة الحسينية، وأكثر من سطع هذا النور الحسيني على روحه المقدسة هي السيدة زينب(عليها السلام). والسیدة زينب بالعظمة التي كانت لدیها منذ البداية وتلك العظمة التي حصلت عليها في حضن الزهراء(عليها السلام) ومن تربية علي – لكن في نفس الوقت نلاحظ ان زينب بعد كربلاء تختلف عن زينب قبل كربلاء، یعنی ان زينب بعد كربلاء اصبحت تحظی بشخصية وعظمة أكثر (المطهري، 2017: 40-49). وفي ثقافة الأربعين الحسينية يكتسب الأشخاص العزة والكرامة وشخصيتهم الذاتیة من خلال اتباع المُثُل والتطلعات السامیة لأبي عبد الله الحسين، ويصبحون مروجين للثقافة الإسلامیة الأصيلة. و زائر الإمام الحسين ناهیك عن حجم الاجروالثواب الذي یحصل علیه-وفق ما ذكرته الروایات الأحاديث- یعتبر من أفضل واسعد الناس، وعليه أن يجتهد في صیانة عزة وكرامة نفسه ویسعی الی تنمية وتطویر كل الفضائل التي نالها خلال الزیارة.
بقلم: الدكتورة شيرين رشيدي، استاذ مساعد في قسم فلسفة التعلیم و التربیة الاسلامیة، کلیة علم النفس و العلوم التربویة، جامعة العلامة الطباطبائي