الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا و حبيب قلوبنا أبا القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين و أصحابه المنتجبين.
إنّ التّاريخ الإسلامي حافل بالمواقف و الأدوار المؤثرة والمصيريّة للمرأة في مختلف المجالات السّياسية والاجتماعية والثّقافية بل وحتى العسكريّة منها. ونادرا ما نجد حقبة زمنيّة منه تخلو من نساء اعتلين قمم العظمة بالصّبر و التّضحيّة و الإيثار و كذا الدفاع عن القيّم و الثوابت و التصدي للظلم بأنواعه. نعم لقد شهد التّاريخ حضوراً نسائياً فعّالاً لبعض النّساء إلى جانب الأنبياء والأوصياء و لعبت المرأة دورا جوهريّا في الصراع بين الحق و الباطل إذ نقش التاريخ أروع تلك التضحيات التي قام بها أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ؛ فنجد للمرأة يدا بكلّ سطر من تلك السّطور وبكلّ قصّة من قصص البطولة والفداء، حيث وقفت في معركة الطّف وقفة لن تنسى، وقفة إجلال وتضحية وإنسانية وكان لها دور لن يمحى على مرّ العصور فجميع الصّحابة والأنصار الذين وقفوا خلف الإمام الحسين كانت نساء مشرقات تسندهم وتشجعهم على التضحيات.
لذا ذهل العالم بتلك النساء اللاتي يحملن قوة وعقيدة عجز أكبر العلماء من تفسيرها؛ فكيف بتلك المخلوقة الرقيقة التي عندما يمرض ابنها تتمنى الموت ولا يجف دمعها إلاّ بشفائه تفرح باستشهاده؟! وكيف بتلك التي ليس لها سند يعينها غير زوجها الذي هو كل حياتها تسانده وتعينه من اجل الذهاب الى الموت؟! فقد رخص الابن والأخ والزوج أمام الإمام الحسين عليه السّلام رافع راية الحق فكان للنّساء استعداد للقتال فداء للإمام الحسين عليه السلام فيالها من روح إيمانية رائعة وولاء ربّانيّ منقطع النظير !!
في معركة الطّف سجلت المرأة أدواراً متميّزة في مشهد النّصرة والفداء؛ و كانت من أنصع الصّفحات وأكثرها إشراقاً في التاريخ الإسلامي، وقد جاوزت في ذلك طبيعتها المعتادة في الحرص على سلامة أبنائها وأزواجها وتمني دفع الغوائل عنهم إلى الحالة الأسمى في التّضحية و ذلك بدفع الأبناء والأزواج معاً إلى سوح الوغى وحثّهم على الصّمود والبسالة فيها، وتقبّل استشهادهم بالرضا والاطمئنان !
كانت الواقعة ملحمة كبرى لكل المثُل والقيم السّامية، حيث الرّوابط التي تربط أبطالها أنموذجيّة بصورة راقية تصل حدّ الإعجاز. علاقة الصّاحب ؛ الأخ والأخت ؛ الزوجة والابن كلها كانت استثنائية محيّرة للألباب و العقول على مدى الأجيال ولم يأت الزمان بمثل تلك النماذج الفذّة.
تعدّدت مواقف النّساء في واقعة الطّف وتلوّنت أشكال بطولاتهن ؛ ومن تلك النّساء المشرقات والّتي سجّل التّاريخ لها أكبر مواقف الشّهامة وأسمى صور الوفاء و التضحيّة و الصبر للمرأة حيث سجلت بطولاتها بدماء تضحية رضيعها وبدموعها وحزنها عليه… الأم الثكلى وقصّة رضيعها من فواجع القصص وأكثرها دمويّة فهي الّتي بيّنت بشاعة بني أميّة و انعدام إنسانيتهم وحقدهم على أهل البيت عليهم السلام.
لازالت صدى تضحياتها ترن في المجالس الحسينية والمآتم ولازالت النّساء في وقتنا الحاضر تستلهم منها صور التّضحية والإباء إذ أعطتنا الدروس عن الولاء المطلق غير مشروط للحق الذي تجلى في شخص الامام الحسين عليه السّلام.
نعم هي أم الرّضيع المذبوح بكربلاء زوجة سيّد الشّهداء؛ إنّها السيدة الرّباب بنت امريء القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن حليم بن خباب بن كلب الكلبية فعندما تكون العائلة هكذا فلا عجب إذن أن تبرز منها سيدة فاضلة كالرباب’،لتسجّل مواقفها الشهمة من تشخيص الحق، والولاء المطلق لإمام العصر ،والسير معه رغم كلّ المخاطر المنبثقة من إرهاصات ذلك السفر نحو الكرب والبلاء. و عندما يكون الهدف عظيماً كعظمة كربلاء، وعندما يكون المسيرُ ذاتَ الشوكة كمسير كربلاء، سوف يكون القائدُ لمثل هذه المهمّة الصعبة صفوةً مختارة كسيد الشهداء وسوف يكون أنصارُه لمن المصطفين الأخيار لأجل أن يتحقّق الغرض.
والسيدة الرباب’ من المصطفيات المختارات لصحبة الإمام الحسين، لتحمل وسام أُمّ الشهيد، وزوجة الشهيد، وليقترن اسمها بثورة الطف العظيمة، فالاصطفاء من المفاهيم القرآنية التي تؤكّد لنا أنّ هناك عناصرَ بشرية قد سمت أرواحها بالمعرفة والإيمان والسلوك الحسن؛ لأجل أن تتقبل فيض الاصطفاء والاختيار الإلهي، فكانت زوجة السبط الشهيد من تلكم الثلّة المصطفاة؛ تلك السيدة التي غبنها التاريخ في ذكر فضائلها، لكنّه ما وجد بدّاً من أن يذكر كلمات مفتاحية تجعلنا نفهم القصّة إلى آخرها ونطّلع على جوانب بطلتها الرباب بنت امرئ القيس الكلبية.
أجل، لم يذكر التاريخ إلاّ اليسير لكنّه جمع كلّ الفضائل بعبارة واحدة(كانت الرّباب من خيار النساء وأفضلهنّ) أكيد أفضلهنّ في الطاعة والولاء؛ في العفّة والحياء؛ في الصبر على كلّ المصائب والبلاء، وغير ذلك ممّا تحتويه فضليات النساء من شمائل وسجايا كمالية، وهذا هو الأمر الذي دعا الإمام الحسين لأن يصطحبها معه إلى حيث رسالة كربلاء العظيمة، التي رُصِّعت ببصمات النساء المسبيّات، بما فيهنّ رباب الحسين إذ لا شك أنّ من حضر ركب الحسين الشهيد كان ممّن اختاره الله تعالى، و كانت الرباب من المختارين لتحمّل هذه المسؤولية لتستمع لوحي الحسين عليه السلام حيث يقول: (إنّ الله قدْ شاءَ أنْ يراهنّ سبايا.)
كانت الرباب من خيار النساء أدباً وعقلاً وعاشت مع زوجها الإمام الحسين عليه السلام حياة مليئة بالتفاهم والحب في الله والغيرة على الدين وتطبيق شرائع رب العالمين و شاركته همومه وتطلعاته ؛ فَحَسَما موقفهما في الطّف عندما اجتمعا على مواجهة الباطل في موقف من أعظم المواقف التي تقف المرأة الى جانب زوجها وتأزره. وقفت عليها السلام بوجه الباطل وكانت نعم السند ونعم الزوجة الصالحة الأبيّة التي تقف إلى جنب زوجها عليه السلام موقف مشرف.
و من أصعب اللحظات التي واجهتها الرباب الأمّ كانت عند استشهاد ابنها الرضيع عبد الله. عندما طلب الإمام الحسين من الأعداء الماء لطفله الرضيع، فقوبل طلبه بسهم قاتل أودى بحياة الطفل بين ذراعي والده. وكان جزاء طلبه الماء أن يرجع جثة بدون رأس إلى أمّه وهي ترى هذا الموقف الحزين ورضيعها مذبوح من الوريد إلى الوريد. تحملت الرباب هذا المصاب بصبر، ولم تظهر حزنها أمام الإمام الحسين لكي لا تثقل عليه. هذا الموقف أظهر قمة الإيمان والإخلاص والتفاني مع أن فاجعة صغيرها (عبد الله الرضيع) قد هزت عرش السموات و الأرض !!! طفل يروي رمق عطشه بدماءه التي سالت على فمه؛ لذا كانت فاجعته رسالة وصلت الى أذهان الأجيال تتحدث عن فاجعة جرم بني أمية و بالمقابل تنقل لنا الصبر و الثبات الذي تميزت به السيدة الرباب حين تحملت وأخفت ألم فاجعتها وألم فراق صغيرها بهذه الطريقة البشعة قائلة بكلّ تسليم و إيمان إنّه فداء لك يا أبا عبد الله. أيّ إخلاص وأيّ وفاء تتحلى به تلك السيدة الجليلة ؟ !!! لتقف في وجه عاطفتها و أمومتها فقط حتى تنصر الإمام الزوج و لم تشأ أن يلحظ حزنها وألمها وواصلت ذلك إلى وقت استشهاد سيد الشهداء عليه السلام.
بعد فقد طفلها و زوجها ها هي الرباب تقع مع بقية النساء والأطفال في الأسر، يسوقهم الجيش الأموي إلى الكوفة ثم إلى الشام سبايا و تحملت الرباب هذه المعاناة وصبرت صبرا جميلا وأظهرت قوة وصلابة في وجه المحن. ؛ لأنها كانت من مخدرات الرسالة معروفة بولائها ومحبتها لإمامها في حياته وبعد مماته، وعندما رجعت إلى المدينة ظلّت الرباب وفية لذكرى الإمام الحسين بعد استشهاده حيث رفضت الزواج من أي رجل آخر معلنة أن لا حمى لها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كانت تحمل بين جنبيها روحاً متفانية في الرسول وآل الرسول.
عاشت فترة بعد استشهاد الإمام الحسين، وكرست وقتها للبكاء والحزن عليه ضاربة أروع مثال و أجمل صورة من صور التضحية والإباء الوفاء إذ بقت عند قبره عامًا كاملًا تبكي عليه؛ هذه المرأة العظيمة التي جلست في بيتها و لم تستظل تحت سقف مواساة لزوجها الذي ترك في العراء بعد استشهاده. للذي بقى ثلاثة أيام تصهره الشمس، وحزناً على رضيعها المفطوم بسهم المنايا، وبقيت تذرف الدموع إثر الدموع تبكي ليلها ونهارها على فقدان زوجها ورَفيق دربها، وفلذة كبدها الطفل الرضيع عبد الله، فما أعظم باب حزنها الذي يدمي القلب.و ما أجّل هذا الوفاء و الإخلاص في الحب و العطاء باسم الولاء المطلق اللامشروط. وقد سجّلت الرباب أسمى مواقف الوفاء للقائد في هذا المجال بقبولها لدعوته ومواكبتها لمسيره واستقبالها للمصير المرسوم على أُفق الوحي، فلا عجب آنذاك إن رأينا (أُمّ وهب) تقدّم ابنها في سبيل الحسين، ولا عجب آنذاك إن رأينا (دلهم) تدفع بزوجها لنصرة أبي عبد الله ؛ لأنّ زوجة قائد كربلاء السيدة الرباب متصدرة للتضحية والفداء، مجسّدة لأغلى آيات الوفاء لزوجها القائد ولرسالته العظيمة. إنّها رمز الوفاء في كربلاء.
قد كان وفاؤها لزوجها الحسين بعد شهادته أعظم وأرقى آيات الوفاء بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من ثقل قيمي إذ تتحمّل مصائب كربلاء من فقد الزوج والابن الرضيع، من حرق الخيام والفرار في صحراء كربلاء، من سبي على النياق الهزّل و الذلّة وضرب السياط و رؤية رأس الحسين وأصحابه على الأسنّة، مصائب الشام التي يصفها الإمام السجاد بأنّها أشدّ المصائب عليهم آنذاك، إلى غير ذلك من المصائب التي مرّت على أهل بيت الوحي والرسالة بعد ثورة الإمام الحسين والتي كانت الرباب حاضرة فيها صابرة محتسبة؛ بل وأكثر من ذلك مجسّدة لأروع صور الوفاء للزوج من بعد استشهاده وذلك من خلال عدّة مواقف سجّلها التاريخ لها.
أجل ففي معركة كربلاء كانت الرباب حاضرة وشهدت المأساة بأم عينها. عانت مع النساء والأطفال من أهل البيت من العطش والجوع والحصار. وفقدت زوجها الحسين وأبنها الرضيع في هذه الواقعة الأليمة. يعتبر موقفها في كربلاء من أروع نماذج الصبر والتضحية، حيث لم تكتف بالبكاء على فقيدها بل وقفت بثبات مع بقية النساء، تساندهن وتشجعهن فاستحقت أن تكون السيدة الرباب رمزًا للوفاء والإخلاص إذ رفضت الراحة وظلت في العراء مواساة لزوجها الذي بقي جسده في الشمس بعد استشهاده هكذا تظل تضحياتها مصدر إلهام للنساء عبر الأجيال و علما يدرس لكل أمّ أو زوجة تريد العيش على خطى الإسلام المحمدي الأصيل . تضحيات الرباب وصبرها ومواقفها البطولية في كربلاء جعلتها رمزًا للمرأة المؤمنة الصابرة، وألهمت العديد من النساء عبر الأجيال. قصتها ومواقفها تردد في المجالس الحسينية والمآتم، لتبقى ذكراها حيّة في قلوب المؤمنين خاصّةً الجيل النسوي الرسالي ، كقدوة في الإخلاص والتفاني في سبيل الحق والعدل.
السيدة الرباب ليست مجرد شخصية تاريخية، بل هي مثال حي على القوة الروحية والإيمان العميق. دورها في كربلاء يعكس مدى استعداد النساء للتضحية والفداء من أجل قضية عادلة، مما يجعلها نموذجًا يحتذى به في الصمود والثبات أمام الظلم.و كم نتمنى أن تكون نساؤنا بمثل هذا الإيمان والعقيدة الراسخة التي تتجاوز كل الحدود الطبيعية و تتحدى العاطفة و المشاعر لتمضي قدما و شعارها في ذلك اللّهم خد حتى ترضى.
بقلم: الدکتورة سميرة سايح أستاذة علم نفس مدرسي/الجزائر
المراجع المعتمدة
الرباب رمز الوفاء – زهراء السالم ( باحثة عراقية )/ مجلة الإصلاح الحسيني / العدد لعشرون ، السنة الخامسة /مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية – 2017م / 1438هـ /بغداد
واقعة الطف في كتب التاريخ الاسلامي – ماجستير تاريخ- / الأستاذ الدكتور عمار محمد يونس و الباحثة إسراء محسن / جامعة كربلاء كانون الأول 2013 م – محرم 1435 هـ
نساء الطف أدوارهن الاجتماعية وانعكاساتها على أَخلاقية الموقف مجلة العميد / / احمد حسن قاسم – جامعة ذي قار/ كلية التربية للبنات / قسم علوم القرآن، العراق دكتوراه في الفكر الاسلامي /2022م