السلام عليكِ يا بنت محمدٍ المصطفى، السلام عليكِ يا بنت علي المرتضى، السلام عليكِ يا بنت فاطمة الزهراء، السلام عليكِ يا بنت خديجة الكبرى، السلام عليكِ وعلى جدك المختار، السلام عليكِ وعلى أبيك حيدر الكرار، السلام عليكِ وعلى السادات الأطهار الأخيار وهم حجج الله على الأقطار ساداتُ الأرض والسماء من ولد أخيك الحسين، الشهيد العطشان الظمآن، وهو أبو التسعة الأطهار، وهم حجج الله من طرق الشرق والغرب من الليل والنهار، الذين حبهم فرضٌ على أعناق كل الخلائق. السلام عليكِ يا بنت ولي الله الأعظم، السلام عليكِ يا أخت ولي الله المعظم، السلام عليكِ يا عمة ولي الله المكرم، السلام عليكِ يا أم المصائب زينب ورحمةُ الله وبركاته.
أستطاعت بطلة كربلاء السيدة زينب(عليها السلام) أن تقدم دروساً عظيمة في الشجاعة والتضحية، من خلال استنهاض النفوس الضعيفة؛ وذلك لأن المرأة عندما تطرح قضية المظلومية يكون تأثيرها أقوى من الرجل؛ ويعود السبب، أنّ المجتمع ينظر إليها بأنها كائن ضعيف رقيق؛ فكانت منهجيتها (عليهاالسلام) لها جانب تربوي هام، حيث أهتمت بتربية النفس في احلك الظروف وأصعب الأوقات بأشكالها المختلفة رغم أنها كانت في حالة أسر وسبي، فقد نصبها الله عز وجل لهذا الدور القيادي، بعد أستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأخوتها وأهل بيتها وحرق الخيام، فصطفاها الله عز وجل بالمهمة العظمى في حماية إمام زمانها الإمام السجاد (عليه السلام)، بعد استشهاد أخيها الحسين (عليه السلام) نزلت إلى ساحة المعركة وجلست بجوار جسد الحسين تخاطب الله عز وجل بصبر وإيمان لا يفوقه صبر بعد أن وضعت يديها الشريفتين تحت جسد الحسين فرفعت الجسد الطاهر مخاطبة الله تعالى: «إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».. ومخاطبة جدها رسول الله «يا جداه يا رسول الله صلى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء مقطع الأعضاء مسلوب العمامة والرداء وبناتك سبايا…».
وفي الكوفة أنزلت العقيلة زينب(عليها السلام) بهذه الكلمات الطاغية عبيد الله بن زياد من عرشه إلى قبره، وعرّفته أمام خدمه وعبيده أنّه المفتضح والمنهزم، وأنّ أخاها هو المنتصر، ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يقوله سوى التشفّي بقتل عترة رسول الله(صلى الله عليه واله)، قائلاً: (كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟).فانطلقت عقيلة بن هاشم ببسالة وصمود، وأجابت بكلمات الظفر والنصـر لها ولأخيها قائلة: (ما رأيتُ إلّا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجّ وتُخاصم، فانظر لـمَن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أُمّك يابن مرجانة).
جسدت السيّدة زينب(عليها السلام) في واقعة الطفّ، موقفاً كان من أروع المواقف التاريخية لدور المرأة الصامدة أمام عناصر الظلم والطغيان، الذي تمثّل بوضوح في مجلس يزيد بن معاوية (لعنة الله عليه)، فلقد عُدّ من أروع مواقف الدفاع عن الحقّ والتحدّي لجبروت الحكم الأُموي، فيزيد كان متربّعاً على كرسي ملكه، وفي أوج قوّته، وزهو انتصاره الزائف، تحفّ به قيادات جيشه، ورجالات حكمه، وزعماء الشام، كما أنّ أجواء المجلس كانت مهيأة ومعدّة ليكون الاجتماع مهرجاناً للاحتفال بقتل أهل البيت(عليهم السلام)، ومع هذا استطاعت الحوراء(عليها السلام) أن تقف بوجه جبروته وكبريائه الزائف، لتُعلن حربها عن طريق كلماتها الشريفة، وتوضّح له دناءة أعماله، بالرغم من أنّها(عليها السلام) كانت تحت ظروف بالغة القسوة والشدّة جسدياً ونفسياً، فهي ما زالت تعيش تحت تأثير الفاجعة المؤلمة، كما أنّ هناك أجواء الشماتة والإذلال والتنكيل إلى ما لا نهاية، كلّ ذلك لم يشغل العقيلة زينب(عليها السلام) عن أداء دورها البطولي أمام هذا الأُموي اللعين، فعندما سمعت يزيد يترنم بهذه الأبيات التي مطلعها:
“لیت أشیاخي ببدر شهدوا”
- جزع الخزرج من وقع الأسل
وقفت هذه السيّدة العظيمة، وردّت عليه بكل شجاعة وإباء، مستصغرةً قدره وسلطانه، ومستنكرةً فعلته النكراء، وقالت: (الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)، أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأُمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، مهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ)…….
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جُهدَك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند وأيَّامك الا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأوَّلنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة،إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
واستمرارية لمنهجية النهضة الحسينية كانت إدارتها للمعركة الإعلامية التي قادتها بتأييد إلهي وتدبير رباني بصلابة وتحد وإصرار على رفع كلمة الله ودحض كلمة الباطل، فاستخدمت أسلوبا تربويا خاصا لكل نوع من أنواع النفسيات التي مرت بها خلال فترة السبي ليكون ذلك عبرة تسير من خلالها الأمم في بناء مجتمعاتها والحفاظ على كرامتها وعزتها ودحض الشر والانتقام من الظلم ودفعه، لا بل وكيفية رفع الظلم عن المجتمع ومحاسبة مقترفيه وهم على سدة الحكم وحفظ كرامة الإنسان مهما بلغ الظلم من بغي واستكبار وعنجهية.
ومع كل هذه الأحداث التي واجهتها العقيلة زينب(عليها السلام) في واقعة الطف، لم تنسَ أنّها امرأة، فبعد أحداث كربلاء أكدّت أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في كافة المجالات، شريطة إيمانها بنفسها وقدراتها، والأهمّ إيمانها بالقضية التي تتبنّاها، فهي منذ صغرها كانت تنهل العلم والبلاغة والفصاحة من أبيها(عليه السلام) سيّد البلاغة والفصاحة، كما أنّها وقبل أحداث عاشوراء وفي خلافة أبيها(عليه السلام) أخذت على عاتقها مهمّة تثقيف النساء في مجالس علمية لتبيان دور المرأة، فقد كانت تُعلّمهنّ تفسير القرآن والحديث، فهي العالمة غير المعلَّمة بتعبير إمامنا السجاد(عليه السلام) .
إن إقامة الشعائر الحسينية في يوم أربعين الإمام الحسين(عليه السلام)؛ لها خصوصية كونها تشكّل إحياء لنهضة الإمام الحسين(عليه السلام) الإصلاحية، وتعاليمه الأخلاقية، ومبادئه النبوية، فإنّ قضية سيّد الشهداء هي التي ميّزت بين دعوة الحقّ والباطل، ولولا نهضة الحسين(عليه السلام) ووقوفه بوجه الظلم والطغيان الأُموي لكاد الإسلام أن يندثر، حتّى قيل: الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء.
وما قام به الإمام الحسين(عليه السلام) في نهضته الإصلاحية كان امتداداً لدعوة الرسول لنشر الإسلام، وهو(عليه السلام) الامتداد الطبيعي للنبي(صلى الله عليه واله) بنص حديث الرسول: (حسين منّي وأنا من حسين…) .
فقد أصبحت السيدة زينب (عليها السلام) ايقونة في الصبر ومعلمة تربوية قدمت دروساً عظيمة، ما زالت آثارها متبقية في نفوس النساء المسلمات، فكان للمرأة المسلمة دور مهم في ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليهالسلام) لا يمكن أن يُغفل؛ إذ وقع عليها واجب التبليغ بالرسالة الحسينية، ونشر العقيدة المهدوية، والعمل على توعية وتربية النشء الجديد؛ لغرض إقامة قاعدة شعبية قادرة على استيعاب الأُطروحة المهدوية، وفهم فلسفة الثورة العالمية وأهدافها؛ ومن هنا نرى النساء في العصـر الحالي يمارسن دوراً مكمّلاً لما قامت به النساء في واقعة الطفّ وهدفن إليه، فقد امتلكن صفات حميدة ومؤهّلات خاصّة، تؤهّلهنّ كي يصبحن ضمن العدّة المعدودة التي تلتحق لتُبايع صاحب العصر والزمان الإمام المهدي(عجل الله فرجه الشريف).
بقلم: مریم سجادي