السیدة زينب الكبری (سلام الله عليها) هي بطلة كربلاء وحاملة رسالة سيد الشهداء (عليه السلام) و يكفي لبیان مكانتها وعظمتها أن الإمام زين العابدين (عليه السلام). قال لها: “أنت بحمد الله، عالمة غیر معلّمة، وفهمة غیر مفهمة”؛ فالسیدة زینب علیها السلام هي سيدة العالم الإسلامي وخیر نموذج اعلامي توعوي، خاصة في مجال الإعلام العالمي للمرأة، وهو نموذج مرفق بالتوجیه والتوعیة. فالی جانب نشأتها في أسرة الوحي واقتدائها بوالدتها ومواصلة مسيرتها، فهي تتمتع بممیزات خاصة وفريدة وتبیان وشرح هذه الممیزات سیكون بمثابة نور ینیر الدرب للمعنیین والمهتمین بأمرالجهاد.
من هنا اصبح اسمها زينة الأب، ولقبها عقيلة بن هاشم وكانت مصدر فخر لبني هاشم، وهناك میزة أفضل من بقیة المزایا التي تتمتع بها والتي قلما تم ذكرها والتطرق الیها وهي قدرة هذه السیدة الكفوءة علی إدارة الأزمات، السيدة التي امتزج كل كیانها بالحب الإلهي النقي والطاهر، وبسبب هذا الحب النقي تخلت عن الزوج والأطفال وتحملت معاناة الرحلة الصعبة برحابة صدر.
لكنها رغم ذلك استطاعت في أزمة عاشوراء أن تربط هذه الانفعالات الهائجة بمصدر الوحي وتسیطر علیها بشكل ما من أجل إرضاء الرب، وان تكون ثابتة قدم بشكل بحیث انها في جمیع المراحل لم تدرك الا الجمال الحقيقي وتقول بحزم:( مارأیت الا جمیلا).
والسیدة زینب(س) هي نموذج الصبر التي تعتبر القدوة في جميع جوانب الولاية سواء في معرفتها للإمام، اوفي خضوعها التام لأوامره، أو في التعریف بالولاية والتضحية في سبيلها، ونحو ذلك. فهي كانت قد رأت بأم عينيها كيف دافعت أمها عن إمامها وجعلت نفسها درعًا لحمایة الإمام وبالتالي ضحّت بحياتها في سبيل نصرة الإمام علي(عليه السلام) واستشهدت في سبیل نصرة الولاية. وقد تعلمت زینب(س) درس حمایة الولایة من امّها ونفذت هذا الدرس وابرزته بدقة في كربلاء.
فقد بذلت من جهة جهدًا كبیرًا في التعريف بالولاية، من خلال رد التهم والتذكير بالحقوق المنسية لأهل البيت(ع)، وقامت في مجلس ابن زياد في مدينة الشام، وفي مجلس يزيد، بتعریف الولاية والإمامة بشكل جيد، ومن ناحیة اخری كانت مطیعة لأمر الولایة بكل وجودها؛ وكانت(عليها السلام) سواء في عهد الامام الحسين(عليه السلام) أو في عهد الامام السجاد(عليه السلام)، تدعم الامام السجاد(عليه السلام) حتى اخر نفس من حیاتها.
وكانت(علیها السلام) عالمة غير متعلمة، وكانت مفسرة للقران، ومبینة لحقيقة القرآن، وكانت تتمتع بالعلم الذاتي وبالفصاحة والبلاغة، وكانت مشهورة بذلك بین خاصة وعامة الناس. وكانت خیر مثال للشخصیة المتربیة في بیت العصمة والطهارة.
إن السيدة زينب(س)، دون أن تشارك في دورة تعلیمیة ودون ان تتمرن علی الخطابة أو تمارسها، وفي حین انها كانت تعاني من العطش والجوع وتعب الأسر، وحزینة من الناحیة النفسية ومشردة ومذلة، نراها تقف تتحدث إلى أناس لاينسجموا معها فقط، بل رموهها حتى بالحجارة وصبوا علیها التراب ایضًا، لكن رغم كل ذلك صرخت زینب یصوت عال وقالت: “يا أهل الكوفة!، يا أهل الختل و الغدر..”
وكان لخطاب زينب(س) تأثیر كبیر حیث أيقظ الضمائر المیتة للناس، وجعل صوت البكاء یرتفع من أفواه الجمیع من رجال ونساء، وكبار وصغار، وفي هذا الصدد يقول بشیر بن خزیم الأسدي: ونظرت إلی زینب بنت علي(علیه السلام) یومئذ و لم أر والله خفره قط أنطق منها، كأنما تفرع عن لسان أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب(ع).
وقد سجل التاريخ أن العديد من الفصحاء والخطباء والمتكلمین العرب الذين اندهشوا واستغربوا من فصاحة زينب وبلاغتها وفصاحتها وتحدثها حسب مقتضيات الموقف وبالشكل الذي یتناسب مع مستوی الجمهور، عبروا عن تعجبهم لبراعتها. وأصابت عقولهم الدهشة من تفوق فضل زينب، وكمال وعلم هذه المخدرة وشجاعتها ومبادرتها وإقدامها، بحیث انهم لم یستطیعوا مقارنتها بأحد إلا بالإمام علي(ع)، فحكمتها وبصيرتها في اخماد الفتن اليزيدية قد عزز دورها في التوجيه الحكيم وفي القيادة السياسية الاجتماعية حیث لم تسمح لأعدائها باستغلال عواطفها في الأزمات الحرجة وان تقف بعزم وثبات في الدفاع عن ایمانها ومعتقداتها.
إن حلم وصبر هذه السيدة السماوية العظيمة هو نور الشمس الذي يسطع في سماء التاريخ. ورغم الآلام والمصائب والرزایا التي كان كل منها يقصم الظهر، نراها تظهر أمام ابن زياد بهذا الشموخ والجلال والوقار وترد علی كل الافتراءات بعزم وقوة بحیث ان عدو الله والرسول ظل عاجزاً امامها وهذه الخطبة التاریخیة التي القتها السیدة زینب الكبری(س) علی أهل الكوفة یذكرنا بالخطبة الغراء التي القاها والدها أمير المؤمنين علي(ع) في الكوفة ایضاً..
فقد وقفت السیدة زینب(س) بكل شجاعة وأبلغته بفشل جمیع محاولاته الرامیة لمحو ذكر أهل البیت: (فَكد كیْدك وَاسْعَ سَعْیك و ناصِبْ جُهْدَك فوالله لا تمحُو ذكرنا و لا تُمیتُ وَحْیَنا ..(
ان خطبة السیدة زینب(س) سيدة كربلاء، التي كانت تخطب والألم یعتصرها، كانت خطبة عميقة ونافذة لدرجة أنها أربكت السامعين وأدهشتهم؛ بحیث ان أهل الكوفة الذین شعروا بالصدمة من هذه الخطبة وضعوا أيديهم في أفواههم وعضوا أصابعهم.
وينقل راوي خطبة السیدة زينب الكبری(س) أنه بعد انتهاء الخطبة شعر الناس بالحسرة والندم..(فَرَأیتُ النَّاسَ حَیاری قَد رَدُّوا أیدِیَهُم فی أفوَاهِهِم).
فقد كان لخطاب السيدة زینب(س)، التي كانت هي بدورها تشعر بالألم الشدید، تأثیرًا بالغًا ونافذًا لدرجة أن هذا الخطاب أثار دهشة المستمعين وجعلهم حیاری ومن أثر الدهشة والحیرة وضعوا أيديهم في أفواههم وعضوا علی أصابعهم.
ان هذه الجملة، التي نقلها شخص شاهد ذلك بأم عینه، تشير إلى أن زينب الكبری بخطبتها هذه قد قلبت الاوضاع في مدينة الكوفة وجعلت هذه المدینة ساحة كبیرة للتحدیات. فخطبة العقیلة زینب الكبری ابنة أمير المؤمنين، هذه المرأة العظیمة كانت مؤثرة للغایة بحیت انها تركت تأثیرًا بلیغًا في نفوس الناس. بحیث یمكن القول انه لولا زينب لبقیت كربلاء في كربلاء، من هنا فأن استمرار ملحمة عاشوراء هو في الواقع رهین لما قامت به هذه السيدة العظيمة في تلك المرحلة الحساسة و الحرجة من التاریخ من توعیة الناس وتبیین الحقائق لهم.
بقلم: الدكتورة زاهرة السادات ميرجعفري