شهدت النهضة الحسينيّة الخالدة ظهور أدوارٍ نسائيّة مِعطاء ومواقف مُشرِّفة ومُشرِقة، سجّلها التأريخُ بأرقى دورٍ وأنقى صفحة و منها نساء بني أسد في يوم الثالث عشر من محرم الحرام سنة ٦١ هجري عندما خرجن يستقين من نهر الفرات, وإذا بجثث مُطرحة على وجه الصعيد، تشخب دماؤهم كأنهم قُتلِوا ليومهم, فرجعن إلى عشيرتهن صارخاتٍ باكياتٍ, وقلن: أنتم جالسون في بيوتكم, وهذا الامام الحسين (عليه السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وصحبته مجزرون كالأضاحي على الرمال, فبماذا تعتذرون من رسول الله، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، إذا وردتم عليهم؟ فإن فاتتكم نصرة الامام الحسين (عليه السلا م)، فقوموا الآن إلى الأجساد الزكية فواروها, فإن لم تدفنوها؟ نحن نتولى دفنها بأنفسنا، فجاء الرجال همتهم دفن الأجساد الطاهرة, لكنهم لا يعرفون من هذا؟ و من هنا تشرفت نساء هذه القبيلة مع رجال بني أسد بمساعدة الإمام السجاد(ع) بدفن الجثث الطاهرة بعد معركة الطف، ومنذ تلك الفترة وحتى اليوم يمارس أبناء هذه القبيلة مراسيمهم الخاصة بالخروج في يوم الثالث عشر من المحرم في كل عام لاستذكار هذا الحدث العظيم و مشاركة نساء بني أسد في هذا اليوم جاء تيمنا بالذكرى التاريخية لهذا اليوم الذي يتحدث عن قيام نساء قبيلة بني أسد في يوم الثالث عشر من محرم الحرام.
الطاهرة 249
إيران غنية بالثقافة والتاريخ، مع مدن مثل شيراز وأصفهان كوجهات سياحية رئيسية. إيران تزخر بالعديد من المتاحف التي يمكن أن تُثري تجربتك السياحية. بينما تقع بعض أفضل المتاحف في طهران، المعروفة باسم مدينة المتاحف، يمكن العثور على متاحف متنوعة في مدن أخرى عبر إيران. هنا، قمنا بإدراج بعض من أهم وأفضل المتاحف في إيران:
متحف الدفاع المقدس، طهران
قد لا يبدو متحف الحرب جذابًا جدًا، ولكن تأكد أن متحف الدفاع المقدس هو تجربة بصرية آسرة لا تريد أن تفوتها. يُعتبر واحدًا من أفضل المتاحف في إيران، ويغطي مساحة خضراء تبلغ ٢١ هكتارًا، مقدّمًا رواية مؤثرة عن الحرب الثمانية أعوام بين إيران والعراق. داخل المتحف، يُعاد تجسيد الغارات الجوية وأصوات الحرب ومآسيها ومدينة خرمشهر المحاصرة. تُعرض في الساحات المحيطة الدبابات وغيرها من الأسلحة الثقيلة. يقدم نظرة قيمة على تاريخ إيران الحديث وتصورات الناس.
متحف السجاد
متحف السجاد في طهران هو متحف آخر من أفضل المتاحف في إيران. نظرًا لأن السجاد يمثل تجسيدًا رائعًا للفن والثقافة الإيرانية، فإن زيارة هذا المتحف يمكن أن تثير التقدير لأعمال الفنانين الإيرانيين الرقيقة على مر آلاف السنين. تنوع الألوان، الأنماط، وأشكال السجاد التي تم جمعها من أبعد أنحاء البلاد مذهل. يعد بتجربة ممتعة إذا كنت من عشاق الفن.
متحف السينما
يقع في حديقة فردوس الجميلة ويقع في مبنى تاريخي يعود تاريخه إلى عصر القاجار، يعرض جوانب مختلفة من السينما الإيرانية. إذا كنت فضوليًا لاستكشاف هذا الجانب الأقل شهرة من الثقافة الإيرانية، يمكن أن يسلّيك بسهولة لبضع ساعات. يشتمل المجمع أيضًا على مقهى وسينما، مما يضمن لك الاستمتاع بيومك بشكل أكبر بعد جولة في المتحف.
متحف الزجاج والسيراميك
معترف به كأحد أفضل المتاحف في إيران، يضم متحف الزجاج والسيراميك مجموعة مذهلة من القطع الأثرية الزجاجية والسيراميكية من فترات تاريخية مختلفة في إيران. المجموعة تستحق الزيارة، ويقع المبنى المحيط بالمتحف في شارع ٣٠ تير، أحد أقدم شوارع طهران، مما يوفر معلمًا سياحيًا فريدًا.
متحف الفن المعاصر، طهران
الفن في إيران ليس محصورًا في تاريخه القديم. في زوايا مختلفة من البلاد، يمكنك العثور على العديد من الأعمال الفنية الحديثة. يقع في مبنى جميل من تصميم كامران ديبا، يعرض متحف الفن المعاصر بعضًا من أفضل أعمال الفنانين الإيرانيين والغربيين، بما في ذلك اللوحات، المطبوعات، التماثيل والتصاميم. يمكنك أيضًا الإعجاب بالتماثيل المذهلة في حديقته التي أبدعها فنانون معروفون مثل رينيه ماغريت. يقوم المتحف بتدوير معروضاته، مما يعرض مختلف الفنانين المعاصرين خلال الفصول.
متحف المياه في يزد
متحف المياه في يزد هو مدينة صحراوية تاريخية ذات عمارة مذهلة مصممة بناءً على المناخ والظروف الطبيعية للمنطقة. يعرض متحف المياه في يزد، واحد من أشهر وأفضل المتاحف في إيران، الأدوات، التقنيات، والأساليب المبتكرة لنقل وتخزين المياه في مناخ يزد الجاف، التي ابتكرها السكان المحليون. يمكن للزوار رؤية قناتين (قنوات مياه تحت الأرض)، أواني خزفية، عجلات الآبار، وغيرها من الأجهزة المتعلقة بالمياه. المبنى الذي يضم المتحف هو مسكن جذاب كان يمتلكه تاجر سابقًا، وتم تحويله إلى متحف المياه في يزد في عام ١٩٩٩.
متحف الآثار الأذربيجانية
متحف أذربيجان في تبريز، الذي صممه المهندس المعماري الفرنسي أندريه جودار وتأثر بالعمارة المحلية لمنطقة أذربيجان في إيران، هو ثاني أهم متحف أثري وإثنولوجي في إيران بعد المتحف الوطني في طهران. يضم مجموعة لا تقدر بثمن من الروائع من الفترة ما قبل الإسلامية والعصر الإسلامي في إيران. معترف به كأحد أفضل المتاحف في إيران، يستضيف آلاف القطع الأثرية القديمة مثل العملات المعدنية، السجاد، الخزف والأواني المعدنية من العصور القديمة في منطقة أذربيجان حتى القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى تماثيل أنشأها فنانون إيرانيون معاصرون. تحتوي مكتبة المتحف على أكثر من ٢٥٠٠ كتاب مخطوط ومطبوع.
متحف الموسيقى في أصفهان
متحف الموسيقى في أصفهان هو أحد أكثر المتاحف دهشة في إيران، يقع في حي جولفا في أصفهان الجديد. تم إنشاء هذا المتحف الخاص في عام ٢٠١٥ من قبل فريق من عشاق الموسيقى الإيرانية ويضم أكثر من ٣٠٠ آلة موسيقية إيرانية تقليدية، آلات موسيقية محلية إيرانية، والعديد من الآلات الدولية. تتضمن زيارة المتحف جولة في قاعة حيث يتم تخزين الأدوات الإيرانية من جميع أنحاء العالم، ورشة عمل حيث يتعرف الزوار على إنتاج الآلات الإيرانية، وعروض حية للموسيقى الإيرانية التي يؤديها موسيقيون شباب.
متحف التراث الريفي في جيلان
متحف التراث الريفي في جيلان هو أحد أفضل المتاحف في إيران. مدعوم من قبل اليونسكو، يقع في حديقة غابة سارافان في محافظة جيلان (على بعد ١٨ كيلومترًا من رشت) ويعرض ثقافة ريفية غنية ومتنوعة. يغطي هذا المتحف البيئي، الذي يغطي ٢٦٠٠ كيلومتر مربع، ٩ أقسام، كل منها يمثل قرية فريدة من جيلان مع هندستها المعمارية المميزة وثقافتها. بالإضافة إلى ذلك، يتعرف الزوار في هذا المتحف الفريد على مختلف الحرف اليدوية، الأطعمة المحلية، والثقافات الدقيقة لقرى جيلان.
متحف جهل ستون، أصفهان
يعتبر قصر جهل ستون واحدًا من أفضل المتاحف في إيران. تم بناء القصر في عهد شاه عباس الصفوي الأول والثاني في القرن السابع عشر م داخل فناء وحديقة واسعة. يتألف هذا المبنى الشهير من قاعة مرايا ذات أسقف مذهبة وغرف شمالية وجنوبية مزينة بالعمل بالمرايا والجص واللوحات الثمينة. يضفي شرفته المرتفعة، التي تحتوي على ٢٠ عمودًا خشبيًا، جوًا رائعًا على المشهد. يعكس انعكاس هذه الأعمدة في البركة الكبيرة أمام القصر جماله الفريد، ومن هنا جاء اسمه “جهل ستون” الذي يعني “أربعون عمودًا”.
متحف الإثنوغرافيا، بندر عباس
يقع متحف الإثنوغرافيا في بندر عباس في المنطقة التاريخية بركه باران في المدينة. يتم عرض بقايا الحضارات القديمة للجزر الساحلية والمناطق المحيطة هنا. بالإضافة إلى الأدوات القديمة، الملابس المحلية، والمعدات المستخدمة سابقًا في الحرف اليدوية، يعرض المتحف أيضًا العملات المعدنية والقطع الأثرية القديمة في المنطقة التاريخية “سورو”.
متحف قلعة فلك الأفلاك
تعود قلعة فلك الأفلاك التاريخية إلى العصر الساساني. تقع هذه القلعة على قمة تل في وسط مدينة خرم آباد. تم تحويل جزء من هذه القلعة إلى متحف في عامي ١٩٩٦-١٩٩٧ م. يتألف المتحف من قسمين: علم الآثار والإثنوغرافيا. تشمل العناصر المعروضة معادن متنوعة، تحف، شواهد قبور من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الميلادي، نقوش جسر كاشغان والجامع الكبير في المدينة، أزياء تقليدية ومجوهرات، فخار، صور ولوحات لمشاهير المحافظة والمزيد.
متحف الفصول الأربعة،أراك
يعرض هذا المتحف القطع الأثرية الإثنوغرافية للمحافظة. هيكل المتحف مثير للغاية وهو بقايا من العصر القاجاري. زينة المبنى مذهلة للغاية.
متحف بيت الصين في أردبيل
يعد هذا المتحف، أحد أفضل المتاحف في إيران، ويقع داخل مجمع ضريح الشيخ صفي الدين الأردبيلي، في قاعة تسمى بيت الصين. تعرض الأواني الخزفية في بيت الصين. تم تصميم الغرفة في الأصل لتخزين الأوعية الخزفية، وقدمها أحد الأباطرة الصينيين للشاه عباس تقديرًا لجهوده في جعل طريق الحرير أكثر أمانًا. المبنى التاريخي نفسه يستحق الزيارة. تم افتتاح هذا المتحف في عام ١٩٩٠.
متحف السجاد في كنباد كافوس
يُعرف متحف السجاد في كنباد كافوس أيضًا باسم متحف التخصص التركماني، وهو متحف آخر من أفضل المتاحف في إيران. يعد هذا المتحف الثالث من نوعه في إيران بعد متحف السجاد في طهران ومتحف السجاد في مشهد. تم تأسيسه بالقرب من أطول برج طوبي في العالم، الواقع في مركز مدينة كنباد كافوس. عند استكشاف متحف السجاد في كنباد كافوس، ستشاهد ٢٥ سجادة تركمانية منسوجة يدويًا لم يتم تقييمها بعد. عند زيارة هذا المتحف، ستواجه سجاد تركماني منسوج يدويًا بأكثر من ٨١١ تصميمًا ورمزًا، يعود بعضها إلى ستة آلاف عام. علاوة على ذلك، فإن الأنماط التركمانية في نسج السجاد هي أساسًا تجريدية وهندسية، مشابهة لتصاميم بخارى، والمعروفة محليًا باسم “أخال”.
متحف بارس (القبعة الأجنبية)، شيراز
تحف بارس في شيراز هو متحف آخر من أفضل المتاحف في إيران. يقع قصر بارس في وسط حديقة نظر في شيراز، وتم تحويله إلى متحف في عام ١٨٥٢ وتم ترميمه في عام ١٩٠١. يعرض هذا المتحف أحد عشر لوحة لفنان مشهور في ذلك الوقت، آغا صادق. يتكون المبنى من قاعة مركزية ذات قبة وأربع محاريب. في البداية، تم دفن كريم خان زند في الجانب الشرقي. يمكن أيضًا رؤية القطع الأثرية القيمة في هذا المتحف. تحت تأثير الفنون الأوروبية في إيران، تم تسمية هذا المبنى بـ”القبعة الأجنبية” (الخودة الأجنبية)، وهو اسم استخدم أيضًا للهياكل المماثلة. الشكل المثمن للمبنى، المزخرف بزخارف جميلة، يضيف إلى جماله. يلعب هذا المعلم السياحي، خاصةً بلاطه المزين برسومات زهرية وطيور، دورًا كبيرًا.
متحف قصر القاجار، قزوين
يعود الموقع إلى العصر الصفوي. ومع ذلك، خلال فترة القاجار، تولى سعد السلطنة، حاكم القاجار في ذلك الوقت، ترميمه وأطلق عليه اسم “جهل ستون”. يتكون هذا المبنى المكون من طابقين من الطوب وله كورنيشات حجرية. تستضيف الهيكل المذكور حاليًا متحف المدينة. يعد أحد أفضل المتاحف في إيران، ويحتوي على أقسام مختلفة، بما في ذلك علم الآثار، الإثنوغرافيا، والتاريخ.
متحف أرومية، أرومية
تم بناء المتحف المذكور في عام ١٩٦٧. يتكون المتحف من قاعتين كبيرتين وصغيرتين؛ تعرض إحداهما القطع الأثرية القديمة والتاريخية، والأخرى مخصصة للإثنوغرافيا. يوجد أيضًا مكتبة في جزء آخر من المتحف.
دور التظاهرة الأربعينية الحسينية في تعزيز ثقافة الظهور المهدوي مـــن خلال البـناء الإنسـد
كانت وما زالت الثورة الحسينية ثورة الإصلاح الأكبر، ليس عند أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام فحسب، بل عند أحرار العالم أجمع، فمع مرور ما يقارب أربعة عشر قرناً، ما زالت شعلتها الوقّادة تلتهب في قلوب المؤمنين خاصّة والأحرار عامّة، لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم، «إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ (علیه السلام) حَرَارَةً فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَبْرُدُ أَبَداً»، كما لا تزال التضحيات الجسام لسيدنا الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه في عاشوراء، تُنير درب الثوّار وتشحذ الهمم في كلّ بقاع الأرض، حتى أضحى دمهم الطاهر مادّة السِّقاء لشجرة التحرّر والفداء والتضحية حتى نقوى على عاديات الدهور، ونشرق بالمكارم والفضيلة وقيم الثبات على العقيدة.
تأخذ مسيرة الأربعين في كربلاء العشق، يوما بعد يوم، صدى أكبر في العالم، وحيزا أوسع في نفوس المؤمنين والمحبين لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) والمنتصرين لمظلوميته، في وقت تبلى فيه الثورات وتفقد عمقها الإيديولوجي والروحي، فهي ظاهرة فريدة بما تملك من جماهيرية كونية، تجاوز معايير حدودها الجغرافية وقوميتها، وأكبر تجمع عالمي لعشاق الإمام الحسين (عليه السلام)، خامس أصحاب الكساء، وسيد شباب أهل الجنة، والذين يتدفقون من كل حدب وصوب في مسيرة عشق ومظهر تعكس الوحدة والتكاتف بين المسلمين بمختلف طوائفهم وغير المسلمين أيضا. فالإمام الحسين عليه السلام هو الرمز الذي يجمع الأحرار الرافضين للظلم والهيمنة والوصاية الخارجية والمشاريع الاستعمارية الطامعة بمقدرات وخيرات البلدان الأبية، فهو يوحد المسلمين بمختلف طوائفهم من شيعة وسنة وإباضية إلخ… تحت راية الولاء والإنتماء إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وعترته الطيبة، ويُوحد أتباع بقية الأديان عن طريق الانتماء الإنساني لأهدف مشتركة، وهي تحقيق العدالة، ومجابهة الظلم، ومحاربة الطغاة، ونصرة المظلوم وحماية الأراضي، وصون مقدراتها وثرواتها من السلب والنهب.
يُعد الإمام الثائر الحسين (عليه السلام) من أهمّ الأرصدة المعنوية، فقد كانت ولا تزال ثورته نبراس الثورات، وتضحيته أُمُّ التضحيات، وحرارة مقتله من أشدّ المهيِّجات، مما يجعله أهم عنصر إصلاح خدمة للدين الإسلامي، لا لمآرب شخصية لقوله: «ما خرجت أشراً ولا بطراً وإنَّما لطلب الإصلاح»، وأيضا«…هيهاتَ منّا الذلَّة»، وكذلك «…لا أُعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد»، و«مثلي لا يبايع مثله». فالثورة الحسينية واجهت منتهى التّعسف بمنتهى التحرر، وتهاوت فيها هواجس الاستبداد إلى أسفل درك النزول، وارتقت فيها مهج التحرر إلى منتهى مدارج الكمال، واليوم، تبرز ماهيتها أكثر وأكثر مع استفحال الظلم وتفشي الجهل واللهاث وراء الدنيا بزخرفها وزبرجها، فالإغترار بالدنيا يجعل الفرد منسلخاً تماماً عن إرثه العقائدي، لينصهر في بودقة الإنكفاء وراء الملذات بدون ركائز قيمية.
يتدفق ملايين الزوار الكرام من مشارق الأرض ومغاربها، من خارج العراق وداخله، على مرقد سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، في زيارة الأربعين، لإحياء مبادئه، ومبادئ أئمة أهل البيت عليهم السلام، حاملين في صدورهم المشاعر الجياشة، والعواطف الصادقة والإنسانية الراقية للعترة الطيبة، آملين في حشد أرواحهم بالنور الإيماني، فكلنا ندرك عظم تضحيات الإمام الحسين (عليه السلام) لحفظ الرسالة المحمدية الأصيلة من الزوال، وتضحياته أهل بيته وأصحابه الذين أبوا الخنوع وآثروا الخلص، فهم يعرفون سلفاً أنهم سيواجهون الموت والسبي، غير أنهم ما بدلوا تبديلا، فقضيتهم قضية إلهية بحته، وإلا بماذا نفسّر موقف العقيلة زينب (عليها السلام)، وهي عند جثمان الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو في تلك الحالة المريعة، وقد تعرض لما لا يمكن وصفه وتصوره من الضرب بالسيوف والسهام والرماح، فبدل أن يعلو صوتها بالبكاء والعويل أمام جموع الأعداء، تضع يدها تحت جثمانه الطاهر الشريف، وتطلق العبارة الخالدة: «اللهم تقبل هذا القربان من آل محمد».
واليوم، يُجدد الملايين من الزوار، كل سنة، العهد في هذا المكان المقدس الذي أراده الأعداء موطنا لقتل الدين، رافعين رايات الإمام الحسين، مشكلين أبلغ رد لمقولة «لا تبقوا لأهل هذا البيت نافخ نار ولا طالب ثار».
تتعدى المسيرة المليونية فكرة كونها إحياء سنوي لحدث تاريخي وطقوس وشعائر تقام كل سنة، لتكون وقود نهضة حسينية، فهي تهدف إلى بناء الإنسان فكريا وثقافيا وروحيا، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ ثقافة السلام والاعتدال، ونبذ التطرف والعنف والإرهاب، والتصدي لكل من يحاول، عبثا، بث روح الفرقة والتناحر، فبفضلها تترسخ في الزوار، عاما بعد آخر، المبادئ التي ثار من أجلها أبو الأحرار ضد الطغاة في كل عصر، لتكون تجسيدا حيّا ومصاديق عملية في المجتمعات لاستمرارية الرسالة الحسينية الخالدة. فهي آلية متكاملة تصنع شخصا صالحا يمهد الظهور المهدوي الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً وجوراً، فبمجرد الاطلاع على تضحيات الرفاق الملبين لنداء الإمام، مثل زهير بن القين أو الحر، الذين التحقوا بمعسكر الحق، دفاعا عن الجماعة، يتعزز الشعور بالمسؤولية لدى الفرد إزاء أمور تمسّ الجماعة، مثل النظافة وسلامة البيئة والحفاظ على الممتلكات العامة، ومن ثم ينعكس هذا الوعي الفردي، ليتحول فيما بعد إلى ثقافة راسخة في المجتمع الصالح ومنظومة أخلاقية مجتمعية متكاملة، تقوم على أساس العدالة و العلم، وهذا ما يحفز المسلمين على العمل الجادِّ في التمهيد لظهور الإمام، والاستعداد للانخراط تحت قيادته.
ومن هنا، يبرز الدور الكبير لهذه المسيرة في بناء الشخصية المهدوية المؤمنة بالثورة الحسينية، نبراس الثورات، التي ببركتها وحرارتها، تتولد أهم عناصر الظهور، ألا وهي الإصلاح الذي خرج بسببه إمامنا التقي، لقوله: «ما خرجت أشراً ولا بطراً وإنَّما لطلب الإصلاح…»، ومن ثم إكمال العدة.
فالتقيد بجوهر الخروج واستشعاره كل سنة، يولد إيمانا، يكون بمثابة الحافز للعمل الدؤوب في مقارعة الظلم ومحاربة الفساد المتفشي في كل مكان والتصدي للحكومات الظالمة العميلة والمطبعة وعدم الانصياع لها، استعدادا للانخراط تحت قيادة الإمام المهدي المنتظر الذي لن يظهر إلا بظهور بوادر دولة الحقِّ، المتمثلة في تحلي الفرد بصفات الشخصية المهدوية التي تصنعها فعاليات كهاته المسيرة، ونقصد بصفات الشخصية المهدوية، تحلي الفرد بمجموعة من الصفات الرفيعة والقيادية، التي تشكل النواة القيادية الأُولى حول الإمام عليه السلام.
الزيارة الأربعينية وتعزيز العدة المطلوبة للظهور: بناء الشخصية المهدوية
تعمل الزيارة الأربعينية على تعزيز العدة المطلوبة للظهور، ففي الرواية: «فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْعِدَّةُ مِنْ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ أَظْهَرَ أَمْرَهُ»، وترتبط العدة بالبناء التام للشخصية المهدوية من كل نواحي الحياة، المعنوية والروحية والتعبوية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية و الفكرية و السياسية والإعلامية والعسكرية.
والجدير بالذكر أن المسلمين سنة وشيعة ينتظرون قدوم الإمام المهدي (عليه السلام)، فقد جاء في كتاب «تاريخ ابن خلدون»:(اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي). كما أن التمهيد للمهدوية قضية عالمية لا تشترك فيها جميع الأديان السماوية وغير السماوية بجميع فرقها ومذاهبها فحسب، وإنما انتشرت فكرتها أيضا عند بعض فلاسفة الغرب ومفكريهم، أمثال المفكر البريطاني برتراند رسل والعالم الفيزيائي المعروف ألبرت أنشتاين والمفكر الايرلندي برناردشو الذي وصف المصلح في كتابه « الإنسان السوبرمان» بأنه: (إنسان حيٌ ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل، وأنه يطول عمره حتى ينيف على ثلاثمائة سنة ويستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوار العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة».
1 الملكات الأخلاقية والروحية والجهادية ‹العسكرية› التي تزرعها الزيارة الأربعينية
يُعد بناء شخصية معنوية وروحية لدى المؤمن، من أهم العناصر التي تُؤهِّله نصـرة القيام المهدوي، ورفض الذلَّ والخنوع، وهنا تُشكل هذه المسيرة الخزان الذي لا ينضب من الشواهد المعززة للروح البشرية حتى تعرج إلى الله، فالمشاركة وإستحضار فصول هذه الثورة المجيدة كل سنة، يخلق جوّاً روحياً عالياً، فضلا عن أنّ أهم ما يُسهم في الإصلاح الفردي والاجتماعي تمهيدا للقيام هو بناء شخصية المؤمن بناءً روحياً ومعنوياً، ويكون ذلك عن طريق إتباع عدد من الآليات، على رأسها اتخاذ القدوة الحسنة والسير على نهجها، وهنا، تبرز أهمية استحضار شخصية وتضحيات الإمام الحسين عليه السلام لبناء شخصية مؤمنة عزيزة تأبى الذلّ والمسكنة.
كما أن الصعاب المرافقة لهذه التظاهرة من المشي مع تحمّل المتاعب والحرِّ والبرد وتورّم الأقدام، يصنع شخصية دينية مؤهلة لنصرة الإمام المهدي، مما يجعلها مصدرا هاما للتعبئة الروحية والجسدية على حد سواء، وقوة شعبية هائلة، تستنفر المجتمع بكل أطيافه ومكوناته، انطلاقا من قادة الرأي، ووصولا إلى جموع المواطنين، وتعبئتهم للحركة المهدوية، فزيارة الأربعين هي بمثابة مدرسة مفتوحة، تعمل على خلق ملكات أخلاقية متعددة، على رأسها: الصبر، فتحمل عناء السفر ووعثائه وكل ما يصحبه من جهد، لهو مصداق واضح للصبر، بالإضافة إلى كسر جموح النفس والتواضع، عن طريق خدمة الزوار بلا تمييز، ومشاركتهم طعامهم وشرابهم ومبيتهم، فنجد الغني ينام مع الفقير ويشاركه فراشه، والآمر أو صاحب القرار يمشي جنبا إلى جنب مع المأمور…إلخ.
ومن الملكات الأخلاقية التي تزرعها الزيارة الأربعينية في النفس البشرية، الإيثار والتضحية الذين يمثلان أعلى درجات رقي النفس البشرية، فنجد المضيف يُقدم مصلحة الزائر على نفسه، ويخدمه ولو على حساب نفسه وراحته، ويُنفق من ماله بكل كرم وسخاء، ومن جهة أخرى، نجد الزائر يُضحي بماله ووقته لأجل الحضور وتدريب نفسه على القيم السامية. وهنا أود الإشارة إلى كرم الضيافة العراقية وهوية هذا الانتماء الإنساني الذي يخدم بسخاء وبدون مقابل، فالعراقي الموكبي خدوم يستصغر نفسه أمام الخشوع الأسمى لزائر يتحمل عناء السفر من بلد بعيد، مما يعزز وبشكل كبير مشاعر الإخاء والمحبة والوئام والتعايش والتضحية في سبيل الآخر. تشمل الخدمة العراقية كل المتطلبات من توفير للطعام والمبيت إلى نصب المستشفيات المتنقلة والعيادات وصيدليات الخيام والعربات المتنقلة، فضلا عن خدمات المعالجة كالتدليك والطبابة…إلخ. وهنا يقف العالم بأجمعه وقفة تقدير وإجلال لهذا الشعب الأبي الذي نهل من فكر سيدنا أبا عبد الله (عليه السلام)، حيث يستقبل بكل تفاني ويطعم ويوفر مبيتا لعشرين مليون زائر قدموا إلى قبلة الثوار والأحرار من أكثر من 80 دولة، فأي رسالة إنسانية حملها الحسين العظيم؛ لكي يقنع ملايين بعد مئات السنين برسالته الانسانية..؟!
يمثل هذا العطاء والإيثار والشعور الإنساني المفعم بالتنوع في بحر يموج بكتل بشرية متنوعة الأعراق والثقافات وقفة للزوار وفرصة لهم للحوار مع الذات في جو إيماني ومسيرة روحية نحو القيم الشامخة.. نحو القمم الإنسانية.. نحو الأنموذج.. بهدف مراجعة وترشيد النفس الأمارة بالسوء، فالشعور بالعدالة الإنسانية والحب والإنتماء والإلتحام الوجداني بعيدا عن التكلف والنفاق فرصة ذهبية لإعادة النظر بماهية الحياة، والسنة الكونية من الوجود الإنساني الممهد للظهور.
تخلق الزيارة أيضا في الإنسان البسالة والشجاعة في اتِّخاذ الموقف، والصبر على الخوف، وقوَّة الإقدام خصوصاً مع منع الزيارة كما كان يحصل سابقا. تعد المسرة المليونية، حالها حال الحج، أبلغ تجلي للرقي في التعامل بين الجنسين، والذي يفضي لبناء فرد مهدوي، فهي تدريب لغض البصر وحفظ اللسان وحفظ اليد والفرج عن التعدّي، ومنع النظرات المحرَّمة والتزام الحجاب الشـرعي والتعامل مع الآخر. فالمتأمل في مسيرة العشق، يرصد المشاية في طريق (يا حسين) من مختلف الجنسيات ومن بلدان شتى يأتون لتجديد العهد والبقاء على نهجه، ونرى شارع الولاء الحسيني يزدحم بخطوات أنصار الحسين بكل مستوياتهم وأعمارهم، وكذلك نجد خطوات الولاء الزينبي، نسوة تمشي وفي قلوبهن الإيمان والأمان.
ومن فضائل المسيرة المليونية، تعزيز الشعور بالمسؤولية لدى الأفراد، والتي تعد من أهمّ مقوّمات صناعة الفرد، فكلنا أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في التبليغ وإبراز الصورة الحقيقية لأهل البيت، ويمكننا القيام بذلك عن طريق المشاركة حتى نقدم أبلغ مثال عن الولاء للعترة الطيبة، وعن طريق الإحياء، تتعزز الصفوف، ممهدين للقيام الموعود، فالمؤمنون بالقضيَّة المهدوية لا بدَّ لهم من تبليغ مضامين رسالتهم حتى تصل لمسمع كل الناس، وتتحقق التعبئة التي تقودنا إلى فضيلة أخرى للمسيرة، والمتمثلة في البناء العسكري والسياسي، فقوة المؤسسة العسكرية لا تُقاس بالعتاد والذخيرة فحسب، بل بالموارد البشرية أيضا، وزيارة الأربعين هي بمثابة القوة الدافعة للشباب المسلم للانخراط في المعسكرات المدافعة عن الأمم المستضعفة في وجه قوى الاستكبار العالمي ومحاور الشر، لاشتمالها على أهمّ موارد بناء الشباب المهدوي العسكري المقاوم والمضحّي، و هنا نرصد حضور الشعارات الحسينية في المعارك التي قادها شرفاء الأمة ضد قوى الشر، وما هذا إلا نتاج صناعة حسينية بمستقبل مهدوي، فالأربعينية هي مصنع الذهنية التضحوية، وهذا ما حصل في مقاومة هجوم الدواعش، فأغلب المقاتلين إذا لم يكن جميعهم هم من أبناء المواكب الحسينية ومشاية الأربعين الحسيني، الذين وظفوا كل طاقاتهم الشبابية وإمكاناتهم الجسدية من أجل الحفاظ على أرض الأرض وخدمة للدين، حيث ترك هؤلاء الشباب الأبطال نعيم الحياة الدنيوية ومغرياتها من أجل الحفاظ على الدين الإسلامي ومن أجل الحفاظ على المقدسات الإسلامية كما فعل قائدهم ومعلمهم الإمام الحسين عليه السلام، وبذبك، أذهلت هذه الميزة العالم برمته، فهذه المسيرة لوحدها قادرة على حشد جنود الله، حيث تنصهر فيها كل العناوين عكس التنظيمات السياسية.
2 البناء السياسي والمقاوم
يقودنا البناء العسكري للمسيرة المليونية إلى عنصر هام، مرتبط بالشق العسكري، والمتمثل في إبراز المبادئ السياسية المنشودة، وخلق إرادة سياسية صادقة، تجابه الإتجاه السياسي المستبدّ وترفض سياسة الأمر الواقع ومداهنة الأعداء. فاستذكار شعارات الحسين عليه السلام في الثورة كخطابه: «أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ رَسُولَ الله قَالَ: مَنْ رَأى سُلْطَانَاً جَائِراً مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللهِ، نَاكِثاً لِعَهْدِ اللهِ، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ الله، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللهِ بِالإثم وَالعُدْوَانِ، فَلَمْ يُعَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ، كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَله»، يكون حافزاً كبيراً للاستعداد السياسي والتمهيد السياسي للإمام الحجَّة عليه السلام من خلال نشر الأفكار الدالّة على أنَّ الإمام هو المخلِّص السياسي من ظلم الدول الجائرة.
كما يُمكّن استحضار بسالة الإمام الحسين (عليه السلام) الفرد من التحلي بالروح الجهادية والقتالية، ونموذج المقاومة شاهد على ذلك، فضلا عن عدم الانصياع للحكومات الظالمة، أو التحزب وراء أي أجندة سياسية.
يرتبط الشق العسكري بالحصانة الأمنية ودفع المخاطر، ودوما ما تقاس قوة الدول بقوة نظامها الأمني، والتظاهرة الحسينية أبلغ تجلي للتحصين الأمني الذي يعد رافعة الحركات الإصلاحية، حيث تشهد الأربعينية تنظيما أمنيا منقطع النظير يشهد له الداني قبل القاصي، يوفر الحماية الكاملة للزوار عن طريق قطع الطريق على كل شخص غريب سواء داخل الموكب أو أثناء المسير أو ممَّن يُوزِّع الطعام أو غيرها من الخدمات. ومنه، تعد زيارة الأربعين بناء وتدريبا أمنيا معمَّقا لعموم المكلَّفين، وغيرهم من المشاركين الذين بدورهم يسهرون على أمن الزائر وممتلكاته وحرمته.
وفي هذا الصدد، يقول موقع الإمام الحسين (عليه السلام) نقلا عن أحد السياسيين العراقييين، والذي قال أنَّ أحد القادة الأمنيين الأمريكيين رأى زيارة الأربعين – إبّان الاحتلال الأمريكي للعراق -، وأنَّ هذا الأمريكي كان يقول: «إنّي أتعجَّب من الشعور بالأمن طوال زيارة الأربعين، وعدم وجود المشاكل بين الزائرين، وعدم التعدّي على حرمة الزائرات طوال وقت الزيارة، والحال أنَّنا في أمريكا لو أصبح خلل في الطاقة الكهربائية في واشنطن أو نيويورك لكانت مئات حالات الاغتصاب والتعدّي والسـرقة والخ»، ثمّ قال لي: «أيُّ شخص ربّى هكذا مجتمع؟»، فقلت: «إنَّ الذي ربّاه شخص اسمه الحسين عليه السلام.»فهذا البناء العملي الأمني يعطينا دروساً عملية تنفعنا كثيراً في التمهيد للحركة المهدوية المباركة، والحفاظ عليها، ومراقبة من يسير فيها.
3الآثار الاقتصادية الإيجابية للمسيرة الحسينية
ومن الآثار الاقتصادية الإيجابية للمسيرة الحسينية، تحفيز الأفراد على توظيف القوة المالية على النحو السليم، وتدريبهم على الصرف المالي المنضبط وتوظيف القوَّة المالية في سبيل الدين وإنجاح الثورة المهدوية. فالاستعداد للصـرف الذي نشهده لدى الحضور الغفير، لأننا وكما نعلم لا ميزانية مالية ولا دعم دولة يُخصص لهذه التظاهرة، وإنما تمويل شعبي بحت، دليل دامغ لقدرة هذه التظاهرة في تعبئة الشعوب على التضحية بالمال والنفيس في سبيل الظهور المهدوي، وبناء اقتصاد رصين موجه لخدمة الدين، حيث تخصص الجموع المؤمنة ميزانيات مالية لصرفها على المواكب وإطعام الطعام، وهذا ما يمثل القوة الاقتصادية الكامنة في الأمة الحسينية.
4التعايش السلمي واللحمة بين الطوائف والأديان في المسيرة المليونية
ومن أهم مظاهر اكتمال العدة تمهيدا للظهور المهدوي، هو التعايش السلمي مع الآخرين، وعدم إلغائهم فكرياً أو معنوياً أو حتَّى مادّياً، ناهيك عن رص صفوف المسلمين حتى يكونوا على قلب رجل واحد، مستعدين للذود بالنفس في سبيل قيام دولة الحق، وفي هذه المسيرة، نرصد ترابطا اجتماعيا منقطع النظير، حيث نرى الحضور الوافدين من كل أصقاع العالم، ومن كلِّ فجٍّ عميق، متآزرين ومتراسين كالبنيان المشدود، يقومون بالمهام المنوطة بهم بكل إحترافية، فلا تميّيز بين غني أو فقير ولا بين مشهور أو مغمور… إلخ، فالجميع سواسية في ذلك اليوم المشهود الذي يُلغي الطبقية والعرقية والقومية والعنصرية، والذين يعدون من أخطر الأمراض التي تنسف بالمجتمعات، خالقا نسيجا اجتماعيا متماسكا، يربط دولاً وشعوباً فيما بينها، تجمعها فكرة الظهور، ممَّا يسهم وبشكل فعال في تعجيله. هذه التعبئة الاجتماعية واستنفار المجتمع بكل قطاعاته من المسؤولين الرسميين والسياسيين وقادة الرأي والقادة المحليين وجموع المواطنين (نساء ورجال، بل الأطفال من مدارسهم) للمشاركة الإيجابية لتحقيق الأهداف المطلوبة تخلق مجتمعا واعيا ذو نسيج اجتماعي متماسك كخلية النحل الواحدة، يدفع بأفراده لتحقيق البناء السليم لكل مفاصل الحياة. ومنه، تعد هذه الزيارة مظهر إنساني سلمي ومدني وحضاري ممهد للظهور، يجمع الجميع ويرقى بهم عكس ما كان يُشاع في سنوات الحصار الفكري والروحي على أن هذه المناسبة هي طقس خاص من طقوس الشيعة.
والمتطلع أيضا على وقائع زيارة الأربعين وما يراه من تجمهر المسلمين بمختلف مذاهبهم زماناً ومكاناً وبلغات وقوميات وتوجّهات شتّى – يجمعهم رجل واحد اسمه الحسين عليه السلام، يرى بوضوح أنَّ تلك الزيارة من أهم الآليات لتعزيز الوحدة الإسلامية، الفريضة المنسية، ومن أهمّ ممهِّدات الظهور المهدوي، فضلا عن تعميقها لمبدأ الوجود التعارفي كما عبرت عنه الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).(سورة الحجرات-الآية 13).
لا يمكن تزكية النفس للإرتقاء بها حتى تكون عنصرا فعالا قي دولة الحق بدون التركيز على الشق الفكري والعلمي، لذلك، تُستثمر هذه التظاهرات الدينية لتحفيز الأفراد لطلب العلم من خلال عقد ندوات وتنظيم مسابقات فكرية، وأيام دراسية.
5التعبئة الإعلامية والثورة الفكرية خلال المسيرة المليونية
لا يمكن التطرق إلى هذا الموضوع بدون التعريج على المحور الإعلامي، فلطالما كان الإعلام الممهد لتهيئة البشرية لمجيء الأنبياء عليهم السلام من أجل تطبيق المنهج الإلهي على الأرض وتحقيق الهدف المنشود لحياة البشرية، لقوله عز وجل: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ). وعلى مثل هذا النهج، قام الأنبياء بتوظيف الإعلام تجاه القضية المهدوية باعتبار الإمام المهدي عليه السلام وريثاً للأنبياء (علیهم السلام). وهاهو نبينا الأكرم محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وظّف، قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، منظومته الإعلامية التي تشتمل على العناصر الإخبارية والمواد الإعلامية من قبيل: الإبلاغ والتبشير والإنذار والإخبار وسائل إعلامية أخرى من أهمها المنبر الخطابي. ومن جهته، وظّف الإمام الرضا عليه السلام الشعر كوسيلة إعلامية في تعريف الأمة الإسلامية بالمهدي عليه السلام وصنع الجماعة الصالحة والملائمة لاستقبال هذا الحدث المبارك والعظيم، حيث قال إكمالاً لقصيدة دعبل الخزاعي:
وقبر بطوس يا لها من مصيبة ألحت على الأحشاء بالزفرات،
تُمثل مناسبة الأربعين ومنابرها الإعلامية قاعدة أساسية للتذكير بقدوم الإمام المهدي وزرع الفضائل والدعوة إليها، فضلا عن حث أفراد المجتمع الإسلامي بتكوين علاقة روحية معه تمهيدا لظهوره الشريف. فخلال هذه الأيام كغيرها من أيام السنة، تعمل الوسائط الإعلامية والمراكز العلمية بلا هوادة على التعريف بالقضية المهدوية وعوامل الظهور عن طريق بث برامج إعلامية متعددة تواكب عصر التكنولوجيا، حتى تأخذ هذه المناسبة من بنية العصر سماتها الظاهرية، وتستمد من التاريخ حيويتها ومعناها وجوهر انتمائها، ناعيك عن إقامة المحاضرات والندوات والمؤتمرات التي تبحث في هذه القضية وتنمي وعي الجمهور بها، ونشر المقالات الصحفية والقصص والأشعار الأدبية وتأليف الكتب ونشر المطبوعات، وتشجيع كل المواهب على الكتابة من خلال تنظيم مسابقات وأنشطة ثقافية لهم. ومن أنشطة القائمين على الشق الثقافي والإعلامي إنتاج مسلسلات ومسرحيات وأفلام سينمائية ضخمة تقتبس من الثقافة القرآنية والتاريخ الإسلامي المجيد، وتُدبلج إلى مختلف اللغات لتبين لجميع العالم أهداف وخصائص المنقذ الإلهي. والجدير بالذكر أن بعض الأفلام الأجنبية، والتي لاقت رواجا كبيرا، تطرقت إلى موضوع الإمام المهدي وظهوره الشريف، كفيلم نوستر آداموس الذي بثته شبكات التلفزيون الأمريكية قبل عدة سنوات على مدى ثلاثة أشهر متواصلة، وهو فيلم عن قصة حياة المنجم والطبيب الفرنسي «ميشيل نوستر آداموس» الذي عاش قبل نحو 500 سنة وكتب نبوءاته عن المستقبل وأهمها نبوءته بظهور حفيد النبي من مكة يوحد المسلمين تحت رايته. ومنه، تلعب المنابر الإعلامية دورا بالغا في إحياء أمر أهل البيت ونشر علومهم وأفكارهم استجابة لندائهم المبارك (أحيوا أمرنا).
6الزيارة الأربعينية… دورة معرفية تطبيقية وتربوية مكثفة
لقد كانت ولا تزال ملحمة الأربعين رافدا معطاء بكل معاني التضحية والإيثار من أجل الحفاظ على المبادئ والقيم الرسالية النبيلة. تمثل الزيارة الأربعينية دورة معرفية تطبيقية مكثفة للقيم العادلة التي ستقوم عليها دولة الإمام المهدي عليه السلام، فهي مدرسة أخلاقية وتعبوية وسياسية واقتصادية، تصنع إنسان الظهور، بفضل جانبها العملي الذي يخلق روحاً سامية مؤهَّلة لتكون عضوا فاعلا في دولة الحق، فالذي يطَّلع على وقائع زيارة الأربعين وما يراه من تجمهر عشـرات الملايين زماناً ومكاناً وبلغات وقوميات وتوجّهات شتّى – يجمعهم رجل واحد اسمه الحسين عليه السلام، ويُنادون بنداء واحد ويرفعون شعارا موحدا، يرى بوضوح أنَّ تلك الزيارة من أهمّ ممهِّدات الظهور، فحري بنا استغلال هذا المنبر لبناء مجتمع مهدوي يأبى الظلم والضيم ويثور على الظالمين والمعتدين ولا يداهن المنحرفين والمستبدين وإن علوا وتغطرسوا، تمهيدا لقيام الدولة الموعودة. كما يستوجب علينا، كل من منبره، التعريف بهذا المسير الأربعيني، والرد على أكاذيب حشود الزيف الذين نراهم مع كل مسيرة عشق يحشدون الأقلام ويحجزون المنابر وفضائيات العار لتفريغ القضية من مهمتهما الأساسية، وهي حشد الخيرين من أمتنا لينتفضوا على الطغاة، والسفر بالأنفس البشرية إلى عالم الالتحام الوجداني.
- النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج10، ص318.
(عَنِ اِبْنِ سِنَانٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «نَظَرَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ مُقْبِلٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ وَ قَالَ إِنَّ لِقَتْلِ اَلْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لاَ تَبْرُدُ أَبَداً»). مستدرك وسائل الشيعة: 10 / 318.
- مثير الأحزان: ٤
- الاحتجاج ٢: ٣٠٠.
- بحار الأنوار ٤٥: ٧.
- مثير الأحزان: ٢٤
- كفاية الأثر: ٢٨١: منها ما روي: «… يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَدَدُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَـرَ رَجُلًا مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ وَذَلِكَ قَوْلُ الله (عَزَّ وَجَل): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْعِدَّةُ مِنْ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ أَظْهَرَ أَمْرَهُ، فَإِذَا أُكْمِلَ لَهُ الْعَقْدُ وَهِيَ عَشَـرَةُ ألف [آلَافِ] رَجُلٍ خَرَجَ بِإِذْنِ الله، فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ الله حَتَّى يَرْضَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى…».
- الشيخ مشتاق الساعدي، دور الأربعين في صناعة الشخصية المهدوية، مجلة الموعود، مركز الدراسات المتخصصة في الإمام المهدي.
- تاريخ ابن خلدون، 1: 555/ الفصل 52.
- بحار الانوار ٧٨: ١٢٨.
- الشيخ مشتاق الساعدي، دور الأربعين في صناعة الشخصية المهدوية، مجلة الموعود، م س.
- موقع الإمام الحسين (عليه السلام)
https://imamhussain.org/arabic/27114
بقلم: هناء سعادة، أستاذة جامعية، صحفية، رئيسة تحرير / الجزائر ـانــي
لقد أدت المرأة دورًا مهما في عاشوراء علی ثلاث مراحل مختلفة (انطلاق النهضة وتأسيسها، المشاركة في احداثها ومجریاتها، وممارسة التبلیغ والعمل الاعلامي بعد قیام عاشوراء)، وهذا مایدل علی انها كانت أحد أركان النهضة وانها لم تكتفِ فقط بمعرفة دورها وادراكها لهذه القضايا المعرفية؛ بل قامت بتطبیقه وتنفیذه علی ارض الواقع أيضًا .
ان لاهوت النوع الاجتماعي لا يعني أنه قد تم التحدث عن النوع الاجتماعي بكل فروعه وقواعده، وانما يعني أنه يبدي حساسیة ازاء النوع الاجتماعي في قضاياه الشاملة ولا داعي لدراسته في جمیع انواع الفقه والقانون ومعرفة ما يقال عن النساء والرجال. لأنه لا يؤثر على كثير من القوانين والأنظمة المتعلقة بالنوع الجنسي.
والغایة من استخدام مفردتي المؤمنون والمؤمنات في المواضع الرئيسية والمواقف المهمة مثل التوحيد والإمامة والخير والشر هو للتأكيد على شمولیة الخطاب وعدم محدودیته بنوع خاص من الجنس، والعمل بموجبه وتنفیذه.
وفي كربلاء، الإمام الحسين(ع) كانت هناك خطب موجهة لعامة الناس (رجالاً ونساءً) وكذلك خطباً موجهة للنساء فقط.
وقد أدت المرأة دورًا مهما في عاشوراء علی ثلاث مراحل مختلفة (انطلاق النهضة وتأسيسها، المشاركة في احداثها ومجریاتها، وممارسة التبلیغ والعمل الاعلامي بعد قیام عاشوراء)، وهذا مایدل علی انها كانت احد اركان النهضة وانها لم تكتفِ فقط بمعرفة دورها وادراكها لهذه القضايا المعرفية؛ بل قامت بتطبیقه وتنفیذه علی ارض الواقع أيضًا.
النساء الممهدات لنهضة عاشوراء
كانت ماريا من نساء البصرة اللاتي أدركن ضرورة معرفة ولي الأمر ونصرته. وقد كانت امرأة ثریة تستخدم ثروتها لنشر تعاليم أهل البيت(ع). وكان منزلها مكانا لتجمع شيعة البصرة وكان يستخدم كمقر ثقافي لنشر الثقافة الشيعية. وخلال احداث كربلاء، كان الكثير من الناس يترددون علی هذا المنزل.
الزوجات المؤثرة
دلهم
في واقعة كربلاء، تلفظت بعض الزوجات بكلام یدل على أنهن كن یمتلكن ادراكاً ومعرفة عميقة عن أهل البيت(ع)، وأحد هذه الزوجات هي زوجة زهير بن القین. فزهير الذي كان عائداً من الحج في نفس وقت عودة الإمام الحسين(ع) وحاول ألا يواجه الإمام الحسين(ع) في الطريق. لأن زهير كان عثماني الهوی وكان العثمانيون يعتقدون أن دم عثمان في رقبة أمير المؤمنين (عليه السلام).
من هنا بعث الإمام الحسين (عليه السلام) رسولاً إلى زهير يطلب نصرته، فلم يقبل زهير. وهنا تنبري دلهم بنت عمرو زوجة زهير بن القين، لتقول له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثمَّ لا تأتيه؟! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه، ثمَّ انصرفت.
وبناء على نصيحة زوجته ذهب زهير إلى الإمام الحسين وعندما عاد كان مستعدا لمرافقة الإمام الحسين(ع) وهنا قالت له دلهم: یابعلي! لي طلب واحد منك، وهو أن تذكرني يوم القيامة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجد الأعظم للإمام الحسين (عليه السلام). وكلام (دلهم) هذا یشیر الی فهمها ودركها العمیق والراسخ لأركان الدين الأساسية، أي مفهوم الشفاعة ويوم القيامة.
زوجة حبيب بن مظاهر
عندما وصلت رسالة الامام الحسين(ع) إلى حبيب لم یكن حبيب یعرف ماهو موقف زوجته من دعوة الامام الحسين(ع) من هنا كان لایبدي ما في قلبه وعندما سألته زوجته: ماذا تنوي أن تفعل الآن؟ قال: إني كبير السن ولم يعد بامكاني ان افعل شیئاً. فقالت زوجته: يا حبيب أنسيت كلام النبي(ص) في الإمام الحسين(ع) حیث قال: ان ابناي هذان الحسن(ع) والحسين(ع) هم سیدا شباب أهل الجنة وانهما إمامان قاما أم قعدا. وقد وصل إليك كتاب الإمام الحسين(ع) وهو يطلب نصرتك، ألا تستجیب له؟ وعندما اراد حبيب الرحیل قالت له : اطلب منك حاجة. وهو انه عندما تصل عند الحسين(ع) قبّل يديه وقدميه نیابة عني وأبلغه سلامي.
وهذه الجمل تدل على مدی الإدراك العميق للتاريخ والمعرفة للجملات والعبارات التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم في الأيام العادية فحفظتها النساء في ذاكرتهن واستندن علیها واستشهدن بها كمصدر في اللحظات التاريخية المناسبة.
طوعة
عندما كان مسلم بن عقيل وحيدا في الكوفة ولایجد مكاناً یأویه، ولم یكن احداً يجرؤ على إيوائه، أخذته طوعة إلى منزلها واستضافته ورحبت به.
النساء المشاركات في كربلاء
ام وهب
من أجل تشجيع ابنها على الدفاع عن الإمام الحسين(ع)، قالت أم وهب لإبنها : إنهض ودافع عن ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله). فذهب وهب إلى ساحة المعركة وبعد فترة من القتال عاد إلى أمه وقال لها: «هل أنت راضية عني الان ؟» فقالت أمه: لا أرضى عنك حتى تقتل بين يدي الحسين (عليه السلام) .
بعد استشهاد نجلها، حملت أم وهب سیفاً لتذهب الی ساحة المعركة؛ الا ان الإمام الحسين(ع) قال لها: «ارجعی یاام وهب انت و ابنك مع رسول الله فان الجهاد مرفوع عن النساء).
ام عمرو بن جنادة
يذهب عمرو بن جنادة إلى ساحة المعركة بتشجيع من والدته؛ الا ان الإمام الحسين(ع) لا يسمح له بالقتال.عندها قال عمرو بن جنادة للامام(ع):( إنَّ أُمِّي هِيَ الَّتِي أَمَرَتْنِي) وبعد ما سمع الامام(ع) ذلك سمح له بالذهاب إلى ساحة المعركة .
زوجة جنادة بن كعب الأنصاري
ان زوجة جنادة بن كعب الأنصاري التي كانت قد شجعت زوجها وإبنها لنصرة الحسين (عليه السلام) دخلت هي بنفسها الی أرض المعركة واخذت تردد اشعارا وقالت:
انا عجوز في النساء ضعیفة
خاویة بالیة نحیفة
اضربكم بضربة عنیفة
دون بني فاطمة الشریفة
إن تكرار عبارة « ان الجهاد ليس واجباً على المرأة» من جانب الإمام الحسين(ع) لعدة مرات يدل على أن النساء كانت قد وصلت إلى درجة كبیرة من المعرفة بحیث أنهن أردن أن یشاركن مشاركة مباشرة في ساحة المعركة، كما ان عبارة الدفاع عن حریم رسول الله(ص) التي تلفظتها النساء المدافعات عن خيام عن أهل البيت(ع) يدل على فهمهن وادراكهن الراسخ والعميق، في حین ان بعض الرجال لم يفهموا ذلك، وهذا هو جوهر النظام الديني. واللاهوتي الذي كان یخاطب فیه النساء.
أم كلثوم
قال الإمام الحسين(ع) رداً على العجز ونفاذ الصبرالذي انتاب اخته ام كلثوم : يا أختي اصبري في سبيل الله، وَ اِعْلَمِي أَنَّ جمیع أَهْلَ اَلْأَرْضِ يَمُوتُونَ، وَ أَنَّ جمیع َأهْلَ اَلسَّمَاءِ لاَ يَبْقَوْنَ، وَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَ اَللَّهِ ً. وهذه الجمل هو نوع من تفویض المسؤولية الأخلاقية الی المرأة، كما تبين أيضًا بأن المرأة تتمتع بالبصيرة بحیث انه بعض الجمل المعرفية یمكن ان تريحها وتخفف من.الامها في الایام العصیبة والصعبة وفي نفس الوقت تطلب منها ان تتحمل بعض المسؤولیات الكبیرة..
النساء بعد عاشوراء
نساء بني أسد
تذهب نساء بني أسد لدفن شهداء عاشوراء في ظروف لا يجرؤ رجالهن على الذهاب إليه بسبب العسكر الذي كان یحیط بالاجساد، لكن النساء يهبن مهورهن ويذهبن للدفن، ثم ينضم إليهن رجالهن.
امرأة من قبيلة بني بكر
في عصر عاشوراء بادرت امرأة من قبيلة بني بكر الذي كان زوجها في جيش عمر سعد، بحمل السيف وقالت: «يا ال بني بكر! بنات رسول الله یتعرضن للنهب، وليس لهن ملجأ إلا الله، اذن انتفضوا من اجل دماء رسول الله(ص).
وهذا يدل على أن الاعتداء على الأطفال والنساء الذين لا مأوى لهم والدفاع عنهم لیست هي قضية الإسلام والدين فقط؛ بل هي قضية إنسانية؛ مثل القضايا التي نشهدها اليوم في غزة.
زوجة خولي بن يزيد الأصبحي
زوجة الخولي هي واحدة من تلك النساء اللواتي یتغیر حالها عندما رأت رأس الامام الحسين(ع) في بيتها، وتطرأ عليها تغیرات تدل أيضاً على الفهم والادراك العميق والراسخ الذي يمكن للمرأة تحقيقه.
هند زوجة يزيد
بعد الإحداث التي وقعت في مجلس الشام(مجلس یزید) سألت هند زوجها يزيد: أهذا رأس الحسين(ع) ابن فاطمة(ع)؟ قال يزيد: نعم،فقالت: رأيت في المنام أن النبي(ص) والإمام علي(ع) والزهراء(ع) والنساء المشهورات (مريم وهاجر وسارة وخديجة) كانوا يبكون، فبكى رسول الله(ص) والتفت إلى حضرة آدم وقال: يا أبتاه! آدم! ألا ترى ماذا فعله الطغاة بولدي؟ فبكى آدم والملائكة جميعًا، ورأيت رجالًا كثیرین مجتمعین حول الرأس.
درّة الصَّدف
استشهدت درّة الصَّدف خلال دفاعها عن رأس أبي عبد الله(ع) وعندما كانت تذهب لحمایة رأس الإمام الحسين(ع) قالت:(لاخیر في الحياة بعد مقتل هداة الناس).
إن استخدام عبارة (هداة الناس) يدل على أنه في ذلك الوقت الذي لم یكن الكثير من كبار القوم یعرفون من هو سیدهم وامامهم، أدركت هذه السيدة أن الإمام الحسين(ع) هو سيد القوم.
إقامة مراسم العزاء من قبل النساء
إن تنظيم مجالس العزاء والإشارة الی المظالم التي تعرض لها أهل البيت(ع) كان من المبادرات والأعمال الأخرى التي قامت بها النساء بعد فاجعة كربلاء. وذلك لأن اليزيديين كانوا يحاولون إظهارهم كالخوارج الذين تمردوا على الحاكم.
سكينة وأم كلثوم
إن الخطب البليغة والفصیحة التي القتها السیدة سكینة حول ما حدث لأهل البيت(ع) وكذلك الخطب التي ألقتها أم كلثوم هي من المؤشرات الأخرى التي تدل على الفهم والإدراك العميق لهذه النساء. فقد قالت أم كلثوم في خطبتها بالشام: بهذا المعنی:»لقد نزعت الرحمة والمحبة من قلوبكم(قست قلوبكم) وهذا يعني أنها تعتبر الخيانة والجريمة التي ارتكبت بحقهم هي بسبب قسوة قلوبهم، والقلب القاسي لا يمكن أن يكون له فهم صحيح.
ام سلمة
أم سلمة سيدة ليس لها نسب من أهل البيت(ع). ولكنها بلغت مرحلة كبیرة من العلم و المعرفة العميقة والبصيرة. وذات يوم رأت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام حزينا شاحِبا كییبا فقال لها: أنا قادم من كربلاء ومن مدافن الشهداء ،وفجأة تنهض ام سلمة من نومها وهي تبكي وعندما سمع الجیران بكاؤها جاؤوا الیها فحكت لهم القصة وهكذا عرفت أن الإمام الحسين(ع) قد استشهد في كربلاء. هذا في حین كان جيش العدو يحاول الوصول إلى المدينة المنورة في اسرع وقت ممكن لیروي أخبار الحرب كما يحلو له. ولكن بهذا الحلم أحبطت أم سلمة خططهم ونوایاهم.
وعندما كان الحسين(ع) یرید الخروج من المدينة سلّم وصيته وغيرها من الأمانات لأم سلمة وطلب منها أن تسلم هذه الوصیة والأمانات الی ابنه عندما یأتي الیها، وبعد استشهاد الإمام الحسين(ع) قامت ام سلمة بتسلیم هذه الوصیة والأمانات الی الإمام السجاد(ع). وهذه القصة بحد ذاتها تتحدث أيضاً عن مكانة أم سلمة وماتتمتع به من ثقة بین أهل البيت(ع).
زهراء شريف/ عضو اللجنة العلمیة في مركز أبحاث المرأة والأسرة
كان أبو مهدي ینادي هذه المرأة العراقية بـ «طوعة الزمان»
عندما يتم الحدیث عن نساء نهضة كربلاء المؤثرات، یبدو لنا إن بلوغ مكانتهن في الحياة أمنیة مستحيلة، إلا أن هذه الأمنیة مهما كانت بعيدة وصعبة المنال الا انها ليست مستحيلةً، وخیر دليل علی ذلك هي السيدة العراقية التي تدعی علياء صالح.
في عقيدة داعش، یكفي ان یقوم احد ما بتقدیم الطعام والماء للهاربین أو مساعدتهم، حتی یتم ابادته هو وعائلته بأكملها، فما بالك لو قام أحد بإيواء الهاربين في منزله. وهناك امرأة من العراق مثل علياء صالح، فتحت باب منزلها لبعض السجناء الهاربين في زمن سیطرة قوات داعش وأصبحت (طوعة زمانها)!
فقد كانت طوعة الشخص الوحيد الذي آوى مسلم بن عقیل في الكوفة. بعد ما تركه الناس وحیداً بلا مأوى وملجأ، حیث تحملت بقلبها الرؤوف وسلوكها العظیم المسؤولیة لوحدها بدلاً من حمیع أهل الكوفة كي توفر الأمان لمسلم وتصونه، ان هذه المرأة العاشورائیة المؤثرة تعتبر شجاعتها المثالية جزءًا من ملحمة كربلاء وقدوة للعديد من النساء المسلمات من أمثال “أم قصي”!
أمنیات ليست بعيدة وصعبة المنال بالنسبة للنساء
عندما يتم الحدیث عن نساء نهضة كربلاء المؤثرات، یبدو لنا إن بلوغ مكانتهن في الحياة امنیة مستحيلة، إلا أن هذه الامنیة مهما كانت بعيدة وصعبة المنال الا انها ليست مستحيلةً، وخیردليل علی ذلك هي السيدة العراقية التي تدعی علياء صالح. ان «عالیة خلف صالح» وكنیتها(أم قصي)، سيدة سنية من مدينة (علم) في تكريت بالعراق، تصرفت وهي فی موقف صعب للغایة مثل نساء عاشوراء وبرهنت بأنه أينما كانت كربلاء فمن الممكن أن تتصرف النساء مثل النساء القدوة التي شهدها التاريخ.
وقد تعرضت عالية صالح الی مصیبة كبری بمجرد دخول داعش إلى المنطقة، حیث قامت قوات داعش بذبح وقطعت رؤوس ابنها وزوجها وابن أخيها. وبسبب الحزن الشديد الذي هیمن علی جمیع جوارحها بين عشية وضحاها فقدت ذاكرتها بشكل مؤقت، إلا أن هذه المأساة لم تتسبب أبداً في أن يتجذر الخوف من داعش في قلبها. وكجميع الأمهات العراقيات، كانت تخشى وتخاف من أن يهاجم داعش منزلها في منتصف الليل ویقوم بذبح بقیة أطفالها الآخرين بسبب ما فعلته (ایوائها للهاربین من داعش)، مع ذلك عندما یصل الأمر الی الدفاع عن المظلوم فان الخوف یصبح لاشيء. ولعل هذا هو الحدث الذي ميز عالیة خلف عن غيرها من نساء المدينة وجعلها قريبة من طوعة!
عندما إقتدت عالیة بطوعة
في 12 حزیران 2014، وبعد سقوط تكريت والموصل، ارتكبت قوات داعش مجزرة كبیرة في قاعدة سبايكر الجوية استشهد خلالها المئات من الطلاب المظلومين، ومعظمهم من الشيعة العزّل الذین كائوا لایحملون أيّ نوع من السلاح . حیث تم في البدایة نقل العديد منهم إلى صحراء تكريت ووضعوهم في حفر معدة مسبقاً وهم مكبلي الأیدي ومن ثم تم إطلاق النار عليهم جمیعا. وقد تم دُفن بعضهم أحياء، إلا أن بعض الجنود العراقيين تمكنوا من النجاة من المذبحة والهروب.
وعندما اتصل بها أحد الطلاب الهاربين والذي كان بالصدفة صديقاً لخالد ابن أم قصي، وقال لها إنهم أصبحوا مشردین في الصحاري وأن قوات داعش متربصة لهم وانهم يبحثون عن ملجأ، بادرت عالية صالح على الفور بأرسال ابنها وابنتها للبحث عن الطلاب. وهي كانت تعلم أنه إذا اكتشف داعش وقواته، الذين كانوا يراقبون كل من یدخل ویخرج ويراقبون كل المارة، ما قامت به، فأنهم سیذبحونها من الورید الی الورید.
الا ان عالية صالح تصرفت كطوعة وتذكرت تلك الأيام التي أعلن فيها ابن زياد أنه لاأمان لكل من یآوى مسلم بن عقیل وانه سیكافیء كل من یسلمه وهذا مازاد من عزیمتها. وکذلك تلك الليلة التي بقي فیها سفير الامام الحسين عليه السلام في الكوفة دون ملجأ ومتكئا على جدار دار طوعة فزادت ارادتها وعزیمتها. كما كانت مثل طوعة ترید الوفاء بعادة الضيافة وان تقدم للضيف قدحاً من الماء البارد والعذب.
58 طالباً الذین هربوا من داعش بمساعدة عالية صالح
ان الإقتداء بطوعة كان سر انتصار عالية صالح، فقد قامت هي وعائلتها بإنقاذ جميع الطلاب الهاربین البالغ عددهم 58 طالباً. وآیواهم في بيتها الذي كان لهم بیتا كما كان لابنها خالد. وحتى أنها بادرت الی جانب كل ذلك باعداد بطاقات شخصیة مزورة لهم حتى لا يشك أحد في تواجدهم هناك.. وعندما كانوا یسألوها لماذا تفعلین ذلك وانتي تعرفین كل المخاطر التي كانت تنتظرك، تقول:
“كنت أمًا حزينة وهؤلاء الشباب، هم ابناء هذا البلد. وكنت لا أريد أن تعاني أم أخرى من هذه المحنة وأن يتم تدمير المزيد من العائلات. ولم تكن دماء أطفالي أفضل من دماء الآخرین. وعلى الرغم من أنني تحملت الكثير من الضغوط، إلا أنني كنت أذكر وأسأل الله أن يحمي أطفالنا الأبرياء طوال الوقت الذي ذهب فيه خالد وابنتي بالقارب لإنقاذ هؤلاء الشباب.
والحمد لله أنهم عادوا بالسلامة وقد أنقذنا عدة مجموعات أخرى من الشباب. وكان بعضهم أكراداً وبعضهم تركماناً وبعضهم من بغداد وبعضهم من شيعة الجنوب، لكنهم كانوا شباباً شرفاء وما زالوا يأتون لزيارتي”.
أبو مهدي المهندس لقّب هذه السيدة العراقية بلقب: (طوعة الزمان)
أثناء قضیة إنقاذ هؤلاء الشباب، علم تنظيم داعش بأنشطة عالیة صالح وعائلتها فهددوهم بالموت الفظيع. من هنا غادروا هذه المنطقة وبعد أن تمكنت قوات الحشد الشعبي من فرض سيطرتها الأمنية على المنطقةعادوا إلى مدينتهم.
وبعد عملية الإنقاذ، أطلق الشباب على عالیة صالح لقب أم العراق، وفي عام 2015، حصلت على وسام شرف من الحكومة العراقية. كما أصبحت عضواً في الحشد الشعبي والتقى الجنرالين الشهيدين أبو مهدي المهندس والجنرال قاسم سليماني بها عدة مرات، ولقبها أبو مهدي بلقب: (طوعة الزمان). ولكن الألذ من كل ذلك هي الأرواح العزيزة التي أنقذتها هذه المرأة العظیمة و تصرفت في إحدى اللحظات الحاسمة في حياتها كسيدة كريمة مثل السیدة طوعة.
فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) – بعد شماتة يزيد وما فعله برأس الحسين (ع) ـ وقالت:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى جَدِّي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَدَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ: «ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى- أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ»
أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِينَ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وَضَيَّقْتَ عَلَيْنَا آفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا لَكَ فِي إِسَارٍ، نُسَاقُ إِلَيْكَ سَوْقاً فِي قِطَارٍ، وَأَنْتَ عَلَيْنَا ذُو اقْتِدَارٍ، أَنَّ بِنَا مِنَ اللَّهِ هَوَاناً وَعَلَيْكَ مِنْهُ كَرَامَةً وَامْتِنَاناً؟؟ وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ وَجَلَالَةِ قَدْرِكَ؟؟ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفٍ، تَضْرِبُ أَصْدَرَيْكَ فَرِحاً وَتَنْفُضُ مِدْرَوَيْكَ مَرِحاً حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً وَالْأُمُورَ لَدَيْكَ مُتَّسِقَةً وَحِينَ صَفِيَ لَكَ مُلْكُنَا وَخَلَصَ لَكَ سُلْطَانُنَا.
فَمَهْلًا مَهْلًا لَا تَطِشْ جَهْلًا! أَ نَسِيتَ قَوْلَ اللَّهِ: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ١
أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا؟؟ قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ يَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاقِلِ وَيَبْرُزْنَ لِأَهْلِ الْمَنَاهِلِ وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْغَائِبُ وَالشَّهِيدُ وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ وَالدَّنِيُّ وَالرَّفِيعُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ رِجَالِهِنَّ وَلِيٌّ وَلَا مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيمٌ، عُتُوّاً مِنْكَ عَلَى اللَّهِ وَجُحُوداً لِرَسُولِ اللَّهِ وَدَفْعاً لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا غَرْوَ مِنْكَ وَلَا عَجَبَ مِنْ فِعْلِكَ.
وَ أَنَّى يُرْتَجَى مُرَاقَبَةُ مَنْ لَفَظَ فُوهُ أَكْبَادَ الشُّهَدَاءِ وَنَبَتَ لَحْمُهُ بِدِمَاءِ السُّعَدَاءِ وَنَصَبَ الْحَرْبَ لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَجَمَعَ الْأَحْزَابَ وَشَهَرَ الْحِرَابَ وَهَزَّ السُّيُوفَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ أَشَدُّ الْعَرَبِ لِلَّهِ جُحُوداً وَأَنْكَرُهُمْ لَهُ رَسُولًا وَأَظْهَرُهُمْ لَهُ عُدْوَاناً وَأَعْتَاهُمْ عَلَى الرَّبِّ كُفْراً وَطُغْيَاناً.
أَلَا إِنَّهَا نَتِيجَةُ خِلَالِ الْكُفْرِ، وَضَبٌّ يُجَرْجِرُ فِي الصَّدْرِ لِقَتْلَى يَوْمِ بَدْرٍ! فَلَا يَسْتَبْطِئُ فِي بُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ كَانَ نَظَرُهُ إِلَيْنَا شَنَفاً وَشَنْآناً وَأَحَناً وَضَغَناً يُظْهِرُ كُفْرَهُ بِرَسُولِهِ وَيُفْصِحُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ فَرِحاً بِقَتْلِ وُلْدِهِ وَسَبْيِ ذُرِّيَّتِهِ غَيْرَ مُتَحَوِّبٍ وَلَا مُسْتَعْظِمٍ:
وَ لَقَالُوا يَا يَزِيدُ لَا تُشَل
لَأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُّوا فَرَحاً
مُنْتَحِياً عَلَى ثَنَايَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ مُقَبَّلَ رَسُولِ اللَّهِ ص يَنْكُتُهَا بِمِخْصَرَتِهِ، قَدِ الْتَمَعَ السُّرُورُ بِوَجْهِهِ! لَعَمْرِي لَقَدْ نَكَأْتَ الْقُرْحَةَ وَاسْتَأْصَلْتَ الشَّأفَةَ بِإِرَاقَتِكَ دَمَ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَابْنِ يَعْسُوبِ الْعَرَبِ وَشَمْسِ آلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهَتَفْتَ بِأَشْيَاخِكَ وَتَقَرَّبْتَ بِدَمِهِ إِلَى الْكَفَرَةِ مِنْ أَسْلَافِكِ ثُمَّ صَرَخْتَ بِنِدَائِكَ وَلَعَمْرِي قَدْ نَادَيْتَهُمْ لَوْ شَهِدُوكَ وَوَشِيكاً تَشْهَدُهُمْ وَيَشْهَدُوكَ، وَلَتَوَدُّ يَمِينُكَ كَمَا زَعَمْتَ شُلَّتْ بِكَ عَنْ مِرْفَقِهَا، وَأَحْبَبْتَ أُمَّكَ لَمْ تَحْمِلْكَ وَأَبَاكَ لَمْ يَلِدْكَ، حِينَ تَصِيرُ إِلَى سَخَطِ اللَّهِ، وَمُخَاصِمُكَ وَمُخَاصِمُ أَبِيكَ رَسُولُ اللَّهِ.
اللَّهُمَّ خُذْ بِحَقِّنَا وَانْتَقِمْ مِنْ ظَالِمِنَا، وَأَحْلِلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِمَاءَنَا، وَنَقَصَ ذِمَامَنَا وَقَتَلَ حُمَاتَنَا وَهَتَكَ عَنَّا سُدُولَنَا، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَمَا فَرَيْتَ إِلَّا جِلْدَكَ، وَمَا جَزَزْتَ إِلَّا لَحْمَكَ، وَسَتَرِدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِمَا تَحَمَّلْتَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَانْتَهَكْتَ مِنْ حُرْمَتِهِ وَسَفَكْتَ مِنْ دِمَاءِ عِتْرَتِهِ وَلُحْمَتِهِ، حَيْثُ يَجْمَعُ بِهِ شَمْلَهُمْ وَيَلُمُّ بِهِ شَعَثَهُمْ وَيَنْتَقِمُ مِنْ ظَالِمِهِمْ وَيَأْخُذُ لَهُمْ بِحَقِّهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ.
وَ لَا يَسْتَفِزَّنَّكَ الْفَرَحُ بِقَتْلِهِ، وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ٢
وَ حَسْبُكَ بِاللَّهِ وَلِيّاً وَحَاكِماً وَبِرَسُولِ اللَّهِ خَصِيماً وَبِجَبْرَئِيلَ ظَهِيراً. وَسَيَعْلَمُ مَنْ بَوَّأَكَ وَمَكَّنَكَ مِنْ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا وَأَنَّكُمْ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا.
وَ مَا اسْتِصْغَارِي قَدْرَكَ وَلَا اسْتِعْظَامِي تَقْرِيعَكَ تَوَهُّماً لِانْتِجَاعِ الْخِطَابِ فِيكَ بَعْدَ أَنْ تَرَكْتَ عُيُونَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ عَبْرَى وَصُدُورَهُمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ حَرَّى فَتِلْكَ قُلُوبٌ قَاسِيَةٌ وَنُفُوسٌ طَاغِيَةٌ وَأَجْسَامٌ مَحْشُوَّةٌ بِسَخَطِ اللَّهِ وَلَعْنَةِ الرَّسُولِ قَدْ عَشَّشَ فِيهِ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ وَمَنْ هُنَاكَ مِثْلُكَ مَا دَرَجَ وَنَهَضَ. فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ الْأَتْقِيَاءِ وَأَسْبَاطِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَلِيلِ الْأَوْصِيَاءِ بِأَيْدِي الطُّلَقَاءِ الْخَبِيثَةِ وَنَسْلِ الْعَهَرَةِالْفَجَرَةِ تَنْطِفُ أَكُفُّهُمْ مِنْ دِمَائِنَا وَتَتَحَلَّبُ أَفْوَاهُهُمْ مِنْ لُحُومِنَا وَلِلْجُثَثِ الزَّاكِيَةِ عَلَى الْجُبُوبِ الضَّاحِيَةِ تَنْتَابُهَا الْعَوَاسِلُ وَتُعَفِّرُهَا الْفَرَاعِلُ فَلَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَغْنَماً لَتَتَّخِذُنَا وَشِيكاً مَغْرَماً، حِينَ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى وَالْمُعَوَّلُ وَإِلَيْهِ الْمَلْجَأُ وَالْمُؤَمَّلُ.
ثُمَّ كِدْ كَيْدَكَ وَاجْهَدْ جُهْدَكَ! فَوَ الَّذِي شَرَّفَنَا بِالْوَحْيِ وَالْكِتَابِ وَالنُّبُوَّةِ وَالِانْتِجَابِ لَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا وَلَا تَبْلُغُ غَايَتَنَا. وَلَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارُنَا. وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي أَلَا لُعِنَ الظَّالِمُ الْعَادِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَكَمَ لِأَوْلِيَائِهِ بِالسَّعَادَةِ وَخَتَمَ لِأَوْصِيَائِهِ بِبُلُوغِ الْإِرَادَةِ نَقَلَهُمْ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْمَغْفِرَةِ وَلَمْ يَشْقَ بِهِمْ غَيْرُكَ وَلَا ابْتَلَى بِهِمْ سِوَاكَ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُكْمِلَ لَهُمُ الْأَجْرَ وَيُجْزِلَ لَهُمُ الثَّوَابَ وَالذُّخْرَ وَنَسْأَلُهُ حُسْنَ الْخِلَافَةِ وَجَمِيلَ الْإِنَابَةِ إِنَّهُ رَحِيمٌ وَدُودٌ.٣
الهوامش
آل عمران، الآية 178.
آل عمران ، الآية 169 ـ 170.
السيد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص 181 وما يليها.
الرباب بنت امرؤ القیس بن عدي زوجة الإمام الحسین (علیه السلام) وام سکینة وعلي الاصغر (عبد الله الرضیع)، وقد وصفوها بانها عالمة ومن اهل الفصاحة والبلاغة، وقد جاء في کتاب الأغاني نقلا عن هاشم الکلبي: كانت الرباب من خیار النساء وأفضلهن جمالاً وأدباً وعقلاً.
وتشير الأدلة إلى أن الرباب كانت حاضرة في كربلاء، وذهبت مع الأسرى إلى الشام، ثم عادت إلى المدينة ولم تبق السیدة الرباب في المدینة سوى بضعة شهور حتى عادت إلى العراق، وأقامت عند قبر الحسین (علیه السلام) سنة كاملة تبكیه وترثیه كما ذكر ذلك العدید من الكتاب والمؤرخین، وبعد مضی سنة على مكوثها على القبر الشریف، طلب منها بعض رجال بنی هاشم العودة إلى المدینة لأن المرض أخذ منها مأخذا عظیما، فعادت إلى المدینة ولكنها لم تتوقف عن البكاء والنوح على الإمام بالرغم من محاولات بنی أمیة منعها متخذة الرثاء وسیلة لفضح بنی أمیة وما قاموا به من أعمال إجرامیة ووحشیة ضد الإمام وأهل بیته في معركة الشرف والإباء.
کانت الرباب تتمتع بشخصیة سامیة بحیث انه بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) تقدم لها بعض أشراف قريش لخطبها، لکنها حسب ماذکره المؤرخین رفضت جمیعهم وكانت تردّ علیهم بذلك الجواب الذی یبین مدى حبها ووفائها للإمام الحسین (علیه السلام): (ما كنتُ لاتخذ حمواً بعد رسول الله(صلى الله علیه وآله وسلم) و والله لا یؤوینی ورجلاً بعد الحسین سقف أبداً).
کانت لم تتوقف عن البکاء ولا تستظل بظل، و كما یذكر المؤرخون بقیت تنعي الإمام بقلب جریح ودمع جارٍ حتى وافاها الأجل بعد عام من استشهاد الإمام الحسین (علیه السلام ) (سنة62 هجرية).
الشهيد مطهري، كتاب الملحمة الحسينية:
ان تاريخ كربلاء، تاريخ وحادثة المذكر والمؤنث، وهي الحادثة التي ادى فيها الرجل والمراة كلاهما دورا فيها، لكن الرجل في مداره والمرأة في مدارها.
وممّا قالته في رثائه علیه السلام :
إنّ الذي كان نوراً یُستضاءُ به
بكربـلاءَ قتیـلٌ غیـرُ مدفونِ
سبطُ النبيّ جزاكَ الله صـالحةً
عنّـا وجُنّبتَ خسران الموازینِ
قد كنتَ لي جبلاً صلدً ألوذُ بهِ
وكـنتَ تصحبنا بالرحمِ والدینِ
فمن یجیبُ نداء المستغیثِ ومن
یغنـی ویؤوي إلیه كلّ مسكینِ
تا الله لا أبتغي صهـراً بصهركـم
حتى اُوسّدَ بین اللحد والطینِ
من الأخبار المحدودة التي وردت بخصوص العلاقة بين الإمام الحسين(ع) وزوجته رباب، يبدو أن علاقتهما كانت وثيقة جداً، لدرجة أن الإمام(ع) ورباب لم يمتنعا عن التعبيرعن صمیمیة العلاقة بينهما، كما لم يكن النبي صلى الله عليه وآله يمتنع عن إظهار هذه الصمیمیة لزوجته.
وبسبب هذه الأدلة يقول ابن كثير: «كان الإمام الحسين(ع) يحب زوجته رباب حباً شديداً، وكان یشعر نحوها بمزید من الإعجاب والارتیاح حتى قال فيها شعرا:
لعمركَ أنّني لأحبّ داراً
تحلُّ بها سكینةُ والربابُ
أحبّهمـا وأبذلُ جُـلَّ مالـي
ولـیس لعاتب عندي عتابُ
ولستُ لهم وإنْ عَتبوا مطیعا
حیاتي أو یغیّبني التراب
كما ذكرنا، ان الرباب قد انجبت للإمام الحسين(ع) طفلین، أحدهما سكينة والآخر عبدالله. وقد استشهد عبدالله يوم عاشوراء أمام أعین والديه وهو طفل رضيع. اما سكينة فقد أصبحت فيما بعد واحدة من أعظم نساء العالم الإسلامي، وأصبحت شخصية بارزة، خاصة في الأدب.
1 إعلام الناس بالظلم الذي طال أهل البيت من خلال ابداء ردود الفعل على بداية السبي.
في مساء اليوم الحادي عشر من المحرم،بعد أن أمر عمربن سعد قافلة الأسرى بالتحرك باتجاه الكوفة، صرخت السيدة زينب(س) بعد رؤیة جثة الإمام الحسين(ع) متروكة في العری ولم یتم دفنها وقالت: «يا محمد!» يا محمد! سلام ملائكة السماء عليك. هذا حسينك قد سقط في الصحراء مضرجا بالدم وقد تقطعت أوصاله. يا محمد، لقد اخذوا الكثير من بناتك اسری الی ابن زیاد، وقد قتلت ذريتك، و ريح الصبا تهب على أجسادهم العارية الودیعة. وكان الهدف من خطبتها وكلامها هذا هو تنبیه الأصدقاء والأعداء بعمق الكارثة والمأساة والظلم الذي لحق بأهل البيت النبي علیهم السلام.
2 فضح اليزيديين في الكوفة
بعد وصول قافلة الأسرى والسبایا إلى الكوفة حیث كان عامة الناس یتفرجون علیهم،، ألقت السیدة(ع) خطبة غراء اثارت حیرة ودهشة الجمیع. كما انها القت خطبة في دار الامارة حیث بادرت بعد ذكر الله والتوكل علیه- بالرد بأسلوب جدیر وكلام واضح وحاسم موزون على اكاذیب واستهتار عبيد الله بن زياد، كما انها لم تعیر اي اهمیة الی ابن زیاد من خلال التركیز علی عمق المصیبة والمأساة .
3 إطلاع الناس في مجلس الشام علی ظلم الدولة الأموية
عندما وصلت قافلة الأسرى إلى الشام، تم بأمر من يزيد تنظيم مجلس یتم خلاله إذلال أهل البيت(ع). الا ان السيدة زينب (عليها السلام) بادرت وبشجاعة تامة بفضح اليزيديين في هذا المجلس عدة مرات وبینت للحاضرین حجم الظلم الذي مارسته وتمارسه الحكومة الأموية وهذا ما أثار حفیظة يزيد وجعله یشتاط من الغضب.فهي من خلال تجاهل یزید وإلقائها خطبة بليغة اشارت فیها إلى إسلام جد يزيد على يد النبي(ص) افحمت واخرست یزید وفضحت بني أمية، وأدت الی توعیة مجتمع الشام الذي كانت اجواء الاستبداد مهیمنة علیه. ونتيجة لهذه الخطبة سمح بالتالي لنساء قافلة الأسرى باقامة الحزن، والعزاء وبدأت مجالس العزاء الحسيني في مكان خلافة قاتلي الشهداء. كما أن الخطب التي القتها أم كلثوم وفاطمة والإمام السجاد(ع) كشفت عن حجم الجرائم اليزيدية بحیث أن نساء آل أبي سفيان ایضا اقاموا العزاء على شهداء كربلاء.
4 دعوة أهل المدينة المنورة للإنتقام لدماء شهداء كربلاء
وبعد عودة قافلة السبایا إلى المدينة المنورة، ألقت السيدة زينب(ع) خطبة دعت فيها الناس إلى القیام من أجل الانتقام لدماء شهداء كربلاء. وإثناء ذلك قام والي المدينة المنورة بأبلاغ يزيد بهذا الأمر، ومن أجل ابعاد وفصل اهالي المدینة عن السیدة زینب(ع) والحیلولة دون مواصلتها لنشاطها الاعلامي والتوعوي فيما يتعلق بحادثة وواقعة كربلاء، تم بأمر من يزيد السماح لها بالهجرة الی المدينة المنورة برفقة ابنتاها فاطمة وسكينة.
إحياء روح التعقل في ضـــــــوء ثقافة الأربعينية الحسينية
يتكون الإنسان من بعدين، بعد مادي وبعد ماوراء المادة. وإن حفظ السلامة الأخلاقية في ظل العقلانية یعتبر مسألة في غاية الأهمية. فإذا سيطر عقل الإنسان على قوة مشاعره وإحساسیه وخياله وأوهامه، ستتشكل لدیه تفاعلات صحيحة ومتوازنة في جميع الأبعاد، سواء علی صعید الأخلاق الفردية أو في الأخلاق الاجتماعية، وبالنتیجة ستتسع الفضائل لدیه. إن البعد العقلاني للإنسان یحظی بمكانة تتجاوز أبعاده الوجودیة الأخرى. والعقل هو المصدر الوحيد لكل الكمالات النظرية والعملية. من هنا فإن التربية الفكرية هي مجموعة من التدابير والإجراءات التي توفر أسباب نمو العقل وتنميته في الجانبين النظري والعملي بطريقة منتظمة ومنظمة )بهشتی، 13:2007 و 89:2011)
إن أصحاب العلوم المختلفة لديهم تفسيرات متنوعة ومختلفة للكمال الإنساني. فكل إنسان يعرف الكمال في مجال عمله، ولكن الكلمة الأخيرة یقولها خالق الكون،سبحانه وتعالی ومن أصدق منه قولاً؟ وحسب ماجاء في روایات المعصومين فأن جمیع الكمال یكمن في التفقه في الدين. والتفقه في الدين یعني معرفة الدین والایمان به. وإذا علم أحد بأن الله هو الخالق والمدبر والمعلم للعالم والإنسان في العالم كله، وهو الذي خلق جمیع الكمالات والجمالات وهو الذي یتحكم بكل هذه الامور، فمن الطبیعي انه لن يغفل عن الله تعالی في تعلم الكمال وإذا بلغ الكمال فانه سيجتهد دون شك لنشره مرضاة لله عزوجل. ان مشكلتنا في النقص وعدم الوصول إلى الكمال هو النسيان. وعلى الإنسان أن يفهم العلوم والمعارف الإلهية جيداً ويعمل بها. فإذا أردنا أن نكون كاملين، فلا سبيل سوى تهذيب النفس؛ ولذلك فإن الكمال الذي أقره الفقه والدين هو التقرب إلى الله. وقد تم تقديم الأنبياء والأولیاء كبشر متكاملين، وان كلام الأئمة، كله نور، یهدف إلى تبیان الطريق الرئيسي والأصلي الذي یقود الإنسان إلى الكمال )جوادي الآملي،1390:61-52)
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هوانه لماذا تسطع كربلاء دائما كالشمس في سماء الشهادة والتضحية وتربي شهداء الفضيلة والحق؟ الدلیل واضح. وهو ان المتمسكین بالولایة قد استناروا بنور العلم والعقل والمعرفة. فنور المعرفة هو كالشمس، ونور العقل كالقمر، ونور العلم كالنجم. فنور المعرفة یسیطر علی هوی النفس، ونور العقل يكبح الشهوة، ونور المعرفة یسترعلی الجهل. فهم بنور المعرفة يرون الحق، وبنور العقل يعملون بالحق، وبنور المعرفة يطبقون الحق ويعملون به. وهذه الأنوار الساطعة رفعتهم من الأرض إلى السماء. (بهشتي، 2018: 243-242) .ان جزء من ثقافة الأربعين الحسينية هي ثقافة التضحية والاستشهاد. الاستشهاد يعني الخبر القاطع، یعني الشهادة، القسم، الإستشهاد في سبيل الله،(التضحية والاستشهاد)في العالم المرئي مقابل العالم غير المرئي الذي لا يمكن رؤيته. والشهيد هو الشاهد الصادق في الشهادة والمطّلع علی جمیع الأمور. (البستاني، 2015، ترجمة بندر ريجي: 349)
لقد أحيا الإمام الحسين سید الشهداء في ملحمة يوم عاشوراء روح الحكمة والتفوق الروحي لكثير من الناس في عصور وقرون عديدة. وكان بنور علمه يسقي طلاب العلم والمعرفة دائماً وهدی المحبين من الدنيا الفانية إلى الدنيا الباقية وبیّن لهم طريق الكرامة واحترام الذات حتى يعيشوا بكرامة ويحافظوا على إنسانيتهم ویتركوا هذا العالم بعز وكرامة. إن السيرة العملية للإمام وأساليبه التعليمية في يوم عاشوراء هي بمثابة جامعة لتنمية الإنسانية وإحياء روح العقل والحكمة. فقد تمكن الحسين(ع) بتنمیة أتباعه وانصاره المخلصين فكريا ومعرفيا حتى تمكنوا من الحصول على سعادة الدنيا والآخرة من خلال تمييز الحق من الباطل في المكان والوقت المناسب والوصول إلى تلك المنزلة السامية وینالون رضا الخالق سبحانه وتعالی. ومن الدروس التربوية المستفادة من ثقافة الأربعين الحسينية هوأنه ينبغي إيلاء أهمية أكبر للتربية العقلانية للناس حتى يتمكنوا في المراحل الحرجة والحاسمة والمصیریة للحیاة من اتخاذ القرارات الصحيحة والسلیمة التي تجعل الأجيال القادمة تفتخر بها.
أساليب التربية الفكرية في ثقافة الأربعينية الحسينية وهنا نشير الى أساليب التربية الفكرية في ثقافة الأربعينية الحسينية:
1 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من الأساليب التي حظيت باهتمام كبير في سيرة الإمام الحسين(ع)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ التي لازالت أثارها باقية حتى الآن ولها تأثير تربوي كبير في مختلف جوانب حياة الإنسان. فالوعي والبصيرة هو الشرط الأساسي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي الإسلام لا يقتصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حد معين. فكل الأهداف الإسلامية الإيجابية تىخل في اطار المعروف، وجميع الأهداف الإسلامية السلبية تدخل في اطار المنكر. فالقيام بالعمل الصالح ومراعات التقوى يعتبر افضل الامر بالمعروف (المطهري، 2017: 224-264). وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر درجات، وهي: معرفة المستوى : متوسط وعالي. فمعرفة المستوى يعني الإنكار القلبي، والمرتبة الوسطى هو الإنكار باللسان، والمستوى الأعلى هو الإنكار باليد والسلاح. ومن المؤكد أن الإنكار القلبي هو مقدمة للإنكار باللسان الإنكار باللسان هومقدمة للإنكار باليد والسلاح. ونتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مرتبته العالية، هي أن تنتصر كلمة الله وتصبح العليا فيما تسقط كلمة الظالمين وتصبح الكلمة السفلى (بهشتی، ٢٣٣:١٣٩٧-٢٢٩). فقد كانت شعارات الامام الحسين شعارات «الإحياء».لذلك نحن نريد «تجديد الحياة» في يوم عاشوراء في كل عام. ونريد في هذا اليوم أن نغتسل ونتطهر في الكوثر الحسيني، لنغسل أرواحنا، لنحيي أنفسنا. نريد أن يبقى فينا حس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشعور الاستشهاد، وشعور الجهاد، وشعور التضحية في سبيل الحق، هذه هي فلسفة عاشوراء (المطهري، 2017: 175-174). فقد كان أساس الحركة الحسينية هو هذه الرؤية العالمية القائلة بأن الحق هو المنتصر في نظام الوجود؛ سواء كان يمتلك قوة مادية أم لا، وان الباطل أيضًا محكوم بالفشل (جوادي الأملي، 2016: 55-59). لقد تحدثت السيدة زينب (عليها السلام) بعد عاشوراء في مجلس ابن زياد بكل شجاعة وثبات، الشجاعة والثبات الناجم عن الإيمان القوي بالله تعالى والتربية الصحيحة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام): ودافعت عن الاهداف والتطلعات المحقة للإمام الحسين(ع) وأدانت ائمة الكفر و الباطل. وكان سلوكها مصداقا بارزا ً وكاملاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتآسيساَ على ماذكرنا ينبغي في ظل ثقافة الأربعينية الحسينية، احياء روح المطالبة بالحق وتنفيذ الأوامر الألهية وتجذيرها في كيان كل شخص.
2 الإیثار
الإیثار یعني التضحية بالنفس، والتضحية من أجل الآخرين، وتفضيل مصلحة الآخرين على المصلحة الذاتیة. وفي الإیثار یكمن حب الخیر للآخرين. ولتكريم الإیثار يقول الله عز وجل في سورة الإنسان: :»وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» (سورة الانسان :٨-٩).
ان واقعة كربلاء هي تجسيد عملي للإسلام. فقد ظهرت شمولیة الإسلام في الحركة الحسينية. وواقعة كربلاء هي مسرح لعرض الأخلاق الإسلامية (المروة، الإیثار والوفاء، والمساواة الإسلامية، التضحية). ومن العناصر الأخلاقية المهمة في هذه الحادثة هو الإیثار والتضحية. فهل تجدون انموذجاً للإیثار والتضحية أفضل من قصة أبو الفضل العباس؟ عندما اجتاز أربعة آلاف من الحراس المكلفین بحراسة شريعة الفرات، ودخل ماء الشریعة هو وفرسه، فما إن ملأ قربة الماء التي كان یحملها، غرف بيده بعض الماء واراد ان يشربه. وثمة افراد كانوا یرونه من بعيد. قالوا: رأيناه لم يشرب الماء.بل سكبه في البداية، لم يفهم أحد لماذا فعل مثل هذا الشيء. وعن الأشعار التي قرأها أبو الفضل يقول التاريخ: انه تذكر ان أخاه كان عطشاناً، فقال لا ينبغي للحسين أن يعطش في الخيمة وأن أشرب الماء. فيخاطب نفسه فيقول:.
يا نفس من بعد الحسين هوني فبعده لا كنت أن تكوني هذا الحسين شارب المنون و تشربين بارد المعين هيهات ما هذا فعال ديني و لا فعال صادق اليقين
3 الصبر والحلم
لقد اشار القرآن الكريم الی أهمية ودور الصبر والحلم والتسامح في مختلف مراحل حياة الإنسان، وأنه لا بد لطالب العلم والمعرفة الإلهية أن يفكر في مثل هذه الآيات ویتدبرها. فمفردة «الشكر» ومفردة «الصبر» كلاهما فضيلة أخلاقية تنمو في سياق التربية العقلانية؛ لأن الإنسان عندما يعرف طريقة التفكير الصحيحة ويتطور روحياً، ستظهر الفضائل الأخلاقية في سلوكه وأفعاله، وسيظهر لدیه الأداء المعقول والصحيح. إن الحفاظ على روح الشكر والتسامح وتعزيزهما على نطاق واسع لدى أفراد المجتمع يزيد من الحيوية النفسية والصحة الأخلاقية. واستناداً إلى الآية 63 من سورة الفرقان «وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا»، نستنتج أن الناس ينمون فكرياً في ظل معرفة الله وعبادته، وهم یتمتعون بالحلم جداً في تعاملاتهم مع الآخرين، وحلمهم وصبرهم هذا ناجم من تكاملهم العقلي .
والقدرات البشرية بطبيعة الحال،ليست متساوية، فهي كثیرة لدی البعض وقلیلة لدی البعض الاخر. والقدرة الوجودیة للإنسان تخضع لعوامل وظروف مختلفة، منها مستوی الإيمان والمعرفة؛ لكن الموضوع والامر المهم هو أن الإنسان يستطيع في ظل عبادة الله عز وجل والعمل بالفضائل الأخلاقية وترك الرذائل الأخلاقية ونحو ذلك أن يربي نفسه ویدرب روحه ويصل الی مرحلة شرح الصدر حیث يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «ألم نشرح لك صدرك» ومعنى شرح الصدر هنا هو تنمية روح النبي وعقله، وهذا التطوير يمكن أن يكون له معنى واسع يشمل كلا من الاتساع العلمي للنبي من خلال الوحي والرسالة، وتنمیة واتساع تسامحه وتحمله وصبره واستقامته. وصموده في مواجهة عناد وتحدیات الأعداء والمعارضين. ولذلك عندما تم تفویض مهمة دعوة فرعون المتمرد الی موسى بن عمران «اذهب الی فرعون انه طغی» يقول موسى «رَبِّ أَشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسَر لِي اَمْرِي» (طه:25-26)
وفي مكان آخر جاء في مخاطبة النبي الكريم :»فاصبر لحكم ربك و لاتكن كصاحب الحوت»،یعني النبي يونس «إلذي تعرض الی كل تلك المشاكل والمرارة بسبب ترك الصبر اللازم» (القلم: 48). وشرح الصدر هو في الواقع النقطة المقابلة لضيق الصدر (مكارم الشيرازي، 1374، المجلد 27: 122)؛ كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم أيضا: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ». (سورة الانعام:١٢٥). ومعنى «الصدر» هنا الروح والفكر، ومعنى الشرح هو نفس اتساع الروح وارتفاع مستوی الفكر واتساع أفق الفكر الإنساني، لأن قبول الحق يتطلب غض النظر عن المصالح الشخصية ومثل هذا الأمر لا یتقبله سوی أصحاب النفوس الواسعة والأفكار السامية. وفي هذه الآية تعتبر (سعة الصدر) من النعم العظيمة ويعتبر ضيق الصدر من العقوبات الإلهية (مكارم الشيرازي، 1374، المجلد 5: 434-436).
لقد كانت عائلة أبي عبد الله الحسين مرآة كاملة للصبر والتسامح، فقد استطاع ابناء هذه العائلة تحمل كل المصائب في يوم عاشوراء، وبعد ذلك تعرضوا إلى الأسر ودافعوا عن كیان الإسلام. وفي اثناء ذلك، كان دور السیدة زينب واضح وبارزجدا. ففي حین انها كانت قد فقدت جميع أحبائها واعضاء العائلة، كان يجب عليها بعد ذلك أن تظهر في دور الداعم الروحي لنساء وعائلة الإمام الحسين(ع). وإحد الجملات التي بقیت خالدة في ملحمة عاشوراء الحسين هي الجملة الثمينة التي قالتها السیدة زينب الكبری (عليها السلام). عندما كان ابن زياد يتباهى بانتصاره الظاهري، فقالت زينب (عليها السلام): «ما رأیت الا جمیلا«، وبهذا الشكل الجمت وافحمت ابن زياد. وهناك سيدة أخرى تعتبر حقاً رمزاً للصبر في الملحمة الحسينية،وهي السیدة رباب (عليها السلام) الزوجة العظیمة لأبي عبد الله الحسين(ع).
هذه السيدة العظیمة احترقت كالشمعة حتى اللحظات الأخيرة من عمرها الغالي بسبب ألم فراق الإمام الحسين وابنها علي الأصغر وأصبحت مظهراً وانموذجاً للصبر. وهذه النماذج المثالية للعقیدة والأخلاق والسلوك ستكون بالنسبة لنا أفضل قدوة حقیقیة للصبر والتحمل في الحياة، حتى لانشعر بالعجز من أقل مشكلة في الحياة وان نزید من درحة صبرنا وتحملنا وان ننظر إلى الدنيا وما یحري فيها من زاویة وافاق اكبر.
4 التوبة
ان التوبة هي طريق لابتعاد الإنسان من الشر، والاتجاه واللجوء إلى الله تعالى. فإذا لم يكن هناك سبيل إلى التوبة واللجوء إلى الله، سيبقى الإنسان في أسفل مرتبه، ولا يتمكن من تحقيق أي نوع من الكمال والسعادة (النور: 31). وللتوبة مراتب، ولكل إنسان توبة بحسب مرتبته ومستواه. وتوبة العبد تكون دائما بين توبتين من الله عز وجل، إحداهماعودة الرب الله الرحيم إلى عبده تحنناً منه ورحمة ليتمكن العبد من الاستغفار والتوبة، والأخرى عودة الرب لله إلى العبد لقبوله وقبول توبته (سورة البقرة :الایة 37). إن التوبة الحقيقية، وهي التوبة النصوح(النقية والصادقة)، تحدث تحولاً في الإنسان، بحيث تجعله جدیراً ليغفر الله ذنوبه بلطفه ورحمته (سورة التحريم: الایة 83). فإذا تحققت التوبة فإن الله بفضله ورحمته يبدل سيئات عباده إلى حسنات (سورة الفرقان: الایة 70) (دلشاد تهراني، 2006: 305-309).
ان التوبة تطهر القلب، وتمحو وتزیل الذنوب والصفات السيئة، وتمهد الامور لنشاط العقل الحر (بهشتي، 2007: 281). والتوبة تنزل الرحمة الإلهية. وهي الخطوة الأولى في تهذيب النفس. وقد تم في القرآن الكريم الاشارة الی أشياء كثيرة كأسباب لمغفرة الذنوب ومحوها، ومنها التوبة. فالتوبة علاج لكثير من الأمراض النفسية كالتكبر والكبرياء..
فالإنسان المتطور فكرياً لا يعاني من مرض نفسي لأنه يهذب نفسه وروحه دائماً من خلال تطبيقه لأساليب مثل التوبة وينال رحمة الله ومغفرته. والحر بن يزيد الریاحی رغم أن قلبه كان مع الإمام الحسين، إلا أنه بسبب الأوامر التي تلقاها من عبيد الله بن زياد، قطع الطريق على الإمام الحسين ورفع سيفه على الإمام ومنع سید الشهداء من دخول مدينة الكوفة كما منعه من العودة إلى المدينة المنورة. وأجبره على دخول وادي كربلاء. ولهذا السبب ارتكب الحر بن یزید الرياحي ذنباً عظيماً لأنه أخذ الإمام إلى مكان لا عودة منه. الا ان الحر لم يكن يتوقع أنه ستحدث في نهاية الأمر حربا ويستشهد الإمام الحسين، لذلك عندما رأى الحر ان الأحداث في يوم عاشوراء تتطور بشكل يؤدي إلى الحرب.أسرع نحو الإمام الحسين ومن أجل التوبة، قام برعایة بعض الآداب التي يمكن أن تكون درسًا لنا. حیث ذهب الحر بن یزید الرياحي إلى الإمام الحسين وهو نادم ومنهار وقال بندم كامل: «هل لي من توبة « فجاءه الرد: «ارفع رأسك« والخطوة الثالثة التي قام بها الحر من اجل التوبة هو التعویض عن الأخطاء التي ارتكبها من هنا عندما رأی محبة الإمام الحسين طلب من الإمام ان یذهب الی ميدان القتال ويضحي بحياته من أجل أبا عبد الله الحسين، وعندما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة لم یقم مثل بقیة الانصار الذين كانوا ینادون الإمام الحسين في اللحظات الأخيرة من استشهادهم، بمناداة الإمام الحسين، لكن الإمام الحسين كان من آل الكرم والكرامات اذ جاء الیه ووقف فوق رأسه وقال له انت حر كما سمتك ّامك حرا، انت حر في الدنیا و الآخرة.!»
إن ثقافة الأربعين الحسيني تخلق فينا هذا الاعتقاد وهذه الرؤیة بانه يجب أن نسعى دائمًا لمحاسبة ومراقبة النفس والتأمل فيها وان لانغفل طریق التوبة في أي لحظة من حياتنا وان نحافظ على آداب العبادة عند الله عز وجل، حتى تكون عاقبتنا خیراً إن شاء الله.
5 بناء الذات واستعادتها
ان أكبرعدو للإنسان هو نفسه الامارة و أسلوب بناء وتطوير الذات يؤدي إلى تنمية العقل، ويمهد لتحصيل العلوم النافعة؛ وبهذا الشكل يتعلم العلوم الصحیحة التي تقود الی إصلاح الأخلاق. فكل مخلوق في طريق تطوره الطبيعي، يسلك طريق الكمال، وينتقل في الواقع من (الذات الضعيفة) إلى (الذات القوية). كما أن انحراف أي مخلوق عن طريق التطور الحقيقي هو انحراف عن ذاته. إن استعادة الذات يتطلب معرفة الذات ومعرفة الخالق.
ومن هنا يتبين لماذا يكون ذكر الله مصدر حياة قلب الانسان وسكینة روحه وصحوته ووعيه. فالعبادة تعيد الإنسان إلى ذاته وتعيد الناس إلى رشدهم وتوقظهم وتوعیهم (المطهري، 2012: 286-290). ویتضح من الآية 282 من سورة البقرة والآية 56 من سورة الذاريات أن للخلق هدفين: أحدهما أن يصبح المحتمع البشري عابداً والآخر أن یكون هذا المجتمع عالماً، وعندما يجتمع هذان الهدفان معاً فانهما یلدان العقل. وذلك لأن العقل هو خلاصة المعرفة الصحيحة والعمل الصالح، من هنا فإن الهدف من الخلقة هو جعل المجتمع البشري عاقلاً وحكيماً (جوادي أملي، 2010، ص 320). والعلاقة بين الإنسان والعالم من وجهة نظر الإسلام، ليست من نوع العلاقة بين السجين والسجن وبین البئر ومن سقط في البئر، بل هي علاقة بين الفلاح والمزرعة 2، أو بین الحصان العداء وميدان المسابقة سباق3، أو بین العابد والمعبود4. فالعالم في وجهة نظر الإسلام هو مدرسة الإنسان ومكان تعليم وتربیة الإنسان ومكان تطوره (المطهري، 2012: 259). ان ازدهار العقل یتم في ظل نور المعرفة. وهناك نوعان من العلوم: العلم المضيف والعلم المكتسب أو الضيف. والعلم المضيف هو العلم الفطري والعقلي الذي وضعه الله في روح الإنسان.وهذا الرأسمال لایزول؛ ولكنه یصبح ضعيف ومغطی، من هنا يجب الحذر من تغطيته بغبار الإتجاهات المادية. والعلم الضیف هو العلم الذي يتم تدريسه، ومثل هذا العلم لا يدوم. وإذا سيطر العقل على قوى الإنسان فإنه سینظم جميع علومه ومعارفه.
ومن ناحية أخرى، فإن للوحي واجبين تجاه العقل: أحدهما تأیید العقل والآخر ازدهاره (جوادي الاملي، 2016: 126-129). والجهاد في سبيل الله ثلاثة أنواع: الجهاد الأصغر (محاربة العدو الخارجي في ساحة المعركة)، والجهاد ألأوسط (صراع الإنسان الداخلي مع نفسه حول القضايا الأخلاقية مثل العدل والظلم/ الحق والباطل/ الصدق والكذب/ والخیر والشر) والجهاد الأكبر (الصراع بین العقل والحب؛ في هذه المعركة يقول العقل أنا أفهم الحقيقة، فیما يجيب الحب : الفهم لا يكفي، وینبغي مشاهدة الحق والحقيقة). وتعتبر نهضة سید الشهداء الدموية نموذجًا عظيمًا وحقيقيًا للجهاد الأكبر (بهشتي، 2018: 193-194).
«ان كوثر العلم والمعرفة الإلهية يتحقق بالجهاد الأكبر. والكمال يكمن في تهذيب النفس، وتهذيب النفس رهین عدم السماح للغرباء بالدخول إلى حریم القلب. والكمال الذي أقره الفقه والدين هو التقرب إلى الله. والكمال رهین الشعور بالخطر والإستغفار. والكمال هو نتيجة تطبیق العلم « (جوادي أملي، 2010: 56-61). من هنا لایوجد هناك أنانية وغرور في الملحمة الحسينية، وانما هي ملحمة مليئة بروح العبودیة والمطالبة بالحق والعدل والصلاح (المطهري، 2017: 38).
وبحسب تعاليم القرآن الكريم فإن الدنيا هي مزرعة الآخرة. لذا فإن الإنسان الذي يعرف جوهر وجوده يحاول أن يقدم الأفضل لحياته في الآخرة؛ ولذلك فهو يوجه نواياه وأفعاله في مسیرالقرب إلى الله. وأعلى درجات القرب من الله للإنسان تتحقق عندما يصل الإنسان إلى مستوى عالٍ من الوعي والمعرفة بقيمته الوجودية وعظمة وشأن الله تعالى؛ ولذلك كلما زادت معرفة الإنسان بالله تعالى كلما ازداد قرباً منه. وفي هذا التقرب، يلعب العلم وارادة الإنسان دورًا أساسيًا؛ ولذلك، قد لا يصل كل الناس إلى هذه المرحلة. وإن القرب الذي يصل إليه الإنسان الكامل هو ادراكه العميق لعلاقته بالله(عزوجل). ان جزء من معرفة الذات یأتي نتيجة البحث العقلاني للانسان. فإذا لم تعمل قوة التفكير والفهم بشكل صحيح ولم تتطور الفطرة السليمة لدى الإنسان، فإنه لا يفهم ولایدرك هذه الضرورة ويكتفي بحياته الفسيولوجية البسیطة والعادیة، ويقع في فخ الإهمال، بل ويصبح أسفل من الحيوان. لأنه لم یعرف جوهرة وجوده الثمينة إن الأشخاص والاشخاص الذين تربوا في ظل النهضة الحسينية قد ادركوا في ثقافة الأربعين الحسينية أهمية وضرورة هذا الأسلوب التعليمي وسعوا إلى كمال أنفسهم. وفي الأربعين الحسينية، یحظی الناس بفرصة جيدة للخلوة مع الله سبحانه وتعالی والتأمل في ذاتهم و أنفسهم. فمن خلال دراسة سيرة أبي عبد الله الحسين يتمكن الانسان من ان یصل الی معرفة الذات ومن ثم معرفة الرب بقدر حجم استیعابه الوحودي واستعداده. ان الأربعين الحسينية هي فترة لتهذیب النفس، وبعد التطهير من الذنوب بماء التوبة، يأتي وقت الزینة بالفضائل، وهذا الأمر سیصبح ممكنا أيضًا في ضوء معرفة الله ومعرفة الذات.
1 تحقق الحدس(الأدراك) القلبي
ان العقل يساهم في تحقيق ما تم تحقيقه من خلال الحدس والأدراك القلبي. والبرهان العقلي بالنسبة لمشاهدات السالكین في طریق الاكتشاف یعتبر كالمنطق عند فلاسفة العلوم العضوية. من هنا إذا أدى الاتصال والارتباط بالطريق الخارجي للمعرفة، وهو طريق الوحي والإلهام للأنبياء والطريق الذي يسلكه القلب، إلى إدراك الحقائق العامة التي عرفها وادركها الأنبياء العظام والأئمة المعصومون، لن يكون هناك احتمال للخطأ في نتائجه. ان نشأة المخلصین هي نشأة الحق الأصیل، لأنه لا سبيل للشيطان للنفوذ في تلك النشأة (الحجر:40).
إن نشأة العقل والملاحظات المرتبطة بالعقل المحض خارجة عن سيطرة الشيطان.. وان معرفة الائمة المعصومین، یتم بطريقتين داخليتين للمعرفة، وهما طريق العقل وطريق تهذيب النفس، وكذلك الاتصال والارتباط بین هاتين الطريقتين الباطنتين للمعرفة مع بعضهما البعض (جوادي أملي، 1387). : 312-309).
كان الإمام الحسين یرید ان یربي في مدرسته تثقيف الناس بالحدس والأدراك القلبي. وكان يريد أن يعطي بصيرة كاملة وحدسًا كاملاً لأصحابه (بهشتي، 237: 1397). في الأربعينية الحسينية، تم توفير الأرضية للوصول إلى أعلى مستوى من المعرفة، وهو أدراك الحق والحقيقة. حیث يتجاوزون دائرة الحدس والأدراك والعقل ويذوبون في الجمال الروحي. ویصبح اجتیاز المصاعب بالنسبة لهم سهل للغایة بحیث یبذلوا كل مالدیم بسهولة لأنهم ذابوا في جمال الحق والحقيقة، ومن اجل الوصول الی تلك المحبة الإلهية التي ترسخت في وجودهم والتي زرعها حب الحسین في قلوبهم، تراهم یقطعون الطریق بحب وشغف ویتخلون عن أنفسهم وعن علائقهم الدنيوية بسهولة ويجتهدون من اجل الوصول إلى الحق والحدس بشكل أكمل. نعم، إن الإمام الحسين يوقظ قلوب محبيه ليجتازوا بسرعة كل عقبات ومصاعب الدنیا وان يجهزوا أنفسهم للتقرب اكثر واكثر.
2 عزة النفس (الكرامة)
منذ بداية الخليقة، نظر الله إلى الإنسان بلطف وأعطاه شخصية ويتوقع منه أن يتصرف وفقًا لوجوده القيم. «فالعزة تعني الشموخ ورفض الذل والدناءة، والسمو الروحي، وقد جعل الله تبارك وتعالى الإنسان فخوراً بأنه خلق كريم، حتى يبلغ الكمالات الإلهية في مجال عزة وكرامة الذات.
إن الله تعالى كريم وقد وهب الإنسان جوهر الكرامة ویربیه على أساس العزة والكرامة. والإنسان يحفظ كرامته الذاتیة بالتقوى، وقد ألهمه الله التقوى حتى يمهد له طريق العز والكرامة. فإذا بلغ الإنسان التقوى أصبح كریماً، لأن التقوى هي بؤرة الكرامة» (دلشاد الطهراني، 2005: 218-223). و النهضة الحسينية أصبحت عاملاً في تكوین هوية وشخصیة المجتمع الإسلامي. والإحساس والشعور بالشخصية يجعل المجتمع يشعر بالإستغناء عن المجتمعات الأخرى. وأكثر من تعلم هذا الدرس في الملحمة الحسينية، وأكثر من سطع هذا النور الحسيني على روحه المقدسة هي السيدة زينب(عليها السلام). والسیدة زينب بالعظمة التي كانت لدیها منذ البداية وتلك العظمة التي حصلت عليها في حضن الزهراء(عليها السلام) ومن تربية علي – لكن في نفس الوقت نلاحظ ان زينب بعد كربلاء تختلف عن زينب قبل كربلاء، یعنی ان زينب بعد كربلاء اصبحت تحظی بشخصية وعظمة أكثر (المطهري، 2017: 40-49). وفي ثقافة الأربعين الحسينية يكتسب الأشخاص العزة والكرامة وشخصيتهم الذاتیة من خلال اتباع المُثُل والتطلعات السامیة لأبي عبد الله الحسين، ويصبحون مروجين للثقافة الإسلامیة الأصيلة. و زائر الإمام الحسين ناهیك عن حجم الاجروالثواب الذي یحصل علیه-وفق ما ذكرته الروایات الأحاديث- یعتبر من أفضل واسعد الناس، وعليه أن يجتهد في صیانة عزة وكرامة نفسه ویسعی الی تنمية وتطویر كل الفضائل التي نالها خلال الزیارة.
بقلم: الدكتورة شيرين رشيدي، استاذ مساعد في قسم فلسفة التعلیم و التربیة الاسلامیة، کلیة علم النفس و العلوم التربویة، جامعة العلامة الطباطبائي
السيدة زينب عليها السلام و تأثیرها التربوي في واقعة الطف من وجهة نظر الاسلام
السلام عليكِ يا بنت محمدٍ المصطفى، السلام عليكِ يا بنت علي المرتضى، السلام عليكِ يا بنت فاطمة الزهراء، السلام عليكِ يا بنت خديجة الكبرى، السلام عليكِ وعلى جدك المختار، السلام عليكِ وعلى أبيك حيدر الكرار، السلام عليكِ وعلى السادات الأطهار الأخيار وهم حجج الله على الأقطار ساداتُ الأرض والسماء من ولد أخيك الحسين، الشهيد العطشان الظمآن، وهو أبو التسعة الأطهار، وهم حجج الله من طرق الشرق والغرب من الليل والنهار، الذين حبهم فرضٌ على أعناق كل الخلائق. السلام عليكِ يا بنت ولي الله الأعظم، السلام عليكِ يا أخت ولي الله المعظم، السلام عليكِ يا عمة ولي الله المكرم، السلام عليكِ يا أم المصائب زينب ورحمةُ الله وبركاته.
أستطاعت بطلة كربلاء السيدة زينب(عليها السلام) أن تقدم دروساً عظيمة في الشجاعة والتضحية، من خلال استنهاض النفوس الضعيفة؛ وذلك لأن المرأة عندما تطرح قضية المظلومية يكون تأثيرها أقوى من الرجل؛ ويعود السبب، أنّ المجتمع ينظر إليها بأنها كائن ضعيف رقيق؛ فكانت منهجيتها (عليهاالسلام) لها جانب تربوي هام، حيث أهتمت بتربية النفس في احلك الظروف وأصعب الأوقات بأشكالها المختلفة رغم أنها كانت في حالة أسر وسبي، فقد نصبها الله عز وجل لهذا الدور القيادي، بعد أستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأخوتها وأهل بيتها وحرق الخيام، فصطفاها الله عز وجل بالمهمة العظمى في حماية إمام زمانها الإمام السجاد (عليه السلام)، بعد استشهاد أخيها الحسين (عليه السلام) نزلت إلى ساحة المعركة وجلست بجوار جسد الحسين تخاطب الله عز وجل بصبر وإيمان لا يفوقه صبر بعد أن وضعت يديها الشريفتين تحت جسد الحسين فرفعت الجسد الطاهر مخاطبة الله تعالى: «إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».. ومخاطبة جدها رسول الله «يا جداه يا رسول الله صلى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء مقطع الأعضاء مسلوب العمامة والرداء وبناتك سبايا…».
وفي الكوفة أنزلت العقيلة زينب(عليها السلام) بهذه الكلمات الطاغية عبيد الله بن زياد من عرشه إلى قبره، وعرّفته أمام خدمه وعبيده أنّه المفتضح والمنهزم، وأنّ أخاها هو المنتصر، ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يقوله سوى التشفّي بقتل عترة رسول الله(صلى الله عليه واله)، قائلاً: (كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟).فانطلقت عقيلة بن هاشم ببسالة وصمود، وأجابت بكلمات الظفر والنصـر لها ولأخيها قائلة: (ما رأيتُ إلّا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجّ وتُخاصم، فانظر لـمَن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أُمّك يابن مرجانة).
جسدت السيّدة زينب(عليها السلام) في واقعة الطفّ، موقفاً كان من أروع المواقف التاريخية لدور المرأة الصامدة أمام عناصر الظلم والطغيان، الذي تمثّل بوضوح في مجلس يزيد بن معاوية (لعنة الله عليه)، فلقد عُدّ من أروع مواقف الدفاع عن الحقّ والتحدّي لجبروت الحكم الأُموي، فيزيد كان متربّعاً على كرسي ملكه، وفي أوج قوّته، وزهو انتصاره الزائف، تحفّ به قيادات جيشه، ورجالات حكمه، وزعماء الشام، كما أنّ أجواء المجلس كانت مهيأة ومعدّة ليكون الاجتماع مهرجاناً للاحتفال بقتل أهل البيت(عليهم السلام)، ومع هذا استطاعت الحوراء(عليها السلام) أن تقف بوجه جبروته وكبريائه الزائف، لتُعلن حربها عن طريق كلماتها الشريفة، وتوضّح له دناءة أعماله، بالرغم من أنّها(عليها السلام) كانت تحت ظروف بالغة القسوة والشدّة جسدياً ونفسياً، فهي ما زالت تعيش تحت تأثير الفاجعة المؤلمة، كما أنّ هناك أجواء الشماتة والإذلال والتنكيل إلى ما لا نهاية، كلّ ذلك لم يشغل العقيلة زينب(عليها السلام) عن أداء دورها البطولي أمام هذا الأُموي اللعين، فعندما سمعت يزيد يترنم بهذه الأبيات التي مطلعها:
“لیت أشیاخي ببدر شهدوا”
- جزع الخزرج من وقع الأسل
وقفت هذه السيّدة العظيمة، وردّت عليه بكل شجاعة وإباء، مستصغرةً قدره وسلطانه، ومستنكرةً فعلته النكراء، وقالت: (الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)، أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأُمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، مهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ)…….
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جُهدَك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند وأيَّامك الا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأوَّلنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة،إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
واستمرارية لمنهجية النهضة الحسينية كانت إدارتها للمعركة الإعلامية التي قادتها بتأييد إلهي وتدبير رباني بصلابة وتحد وإصرار على رفع كلمة الله ودحض كلمة الباطل، فاستخدمت أسلوبا تربويا خاصا لكل نوع من أنواع النفسيات التي مرت بها خلال فترة السبي ليكون ذلك عبرة تسير من خلالها الأمم في بناء مجتمعاتها والحفاظ على كرامتها وعزتها ودحض الشر والانتقام من الظلم ودفعه، لا بل وكيفية رفع الظلم عن المجتمع ومحاسبة مقترفيه وهم على سدة الحكم وحفظ كرامة الإنسان مهما بلغ الظلم من بغي واستكبار وعنجهية.
ومع كل هذه الأحداث التي واجهتها العقيلة زينب(عليها السلام) في واقعة الطف، لم تنسَ أنّها امرأة، فبعد أحداث كربلاء أكدّت أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في كافة المجالات، شريطة إيمانها بنفسها وقدراتها، والأهمّ إيمانها بالقضية التي تتبنّاها، فهي منذ صغرها كانت تنهل العلم والبلاغة والفصاحة من أبيها(عليه السلام) سيّد البلاغة والفصاحة، كما أنّها وقبل أحداث عاشوراء وفي خلافة أبيها(عليه السلام) أخذت على عاتقها مهمّة تثقيف النساء في مجالس علمية لتبيان دور المرأة، فقد كانت تُعلّمهنّ تفسير القرآن والحديث، فهي العالمة غير المعلَّمة بتعبير إمامنا السجاد(عليه السلام) .
إن إقامة الشعائر الحسينية في يوم أربعين الإمام الحسين(عليه السلام)؛ لها خصوصية كونها تشكّل إحياء لنهضة الإمام الحسين(عليه السلام) الإصلاحية، وتعاليمه الأخلاقية، ومبادئه النبوية، فإنّ قضية سيّد الشهداء هي التي ميّزت بين دعوة الحقّ والباطل، ولولا نهضة الحسين(عليه السلام) ووقوفه بوجه الظلم والطغيان الأُموي لكاد الإسلام أن يندثر، حتّى قيل: الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء.
وما قام به الإمام الحسين(عليه السلام) في نهضته الإصلاحية كان امتداداً لدعوة الرسول لنشر الإسلام، وهو(عليه السلام) الامتداد الطبيعي للنبي(صلى الله عليه واله) بنص حديث الرسول: (حسين منّي وأنا من حسين…) .
فقد أصبحت السيدة زينب (عليها السلام) ايقونة في الصبر ومعلمة تربوية قدمت دروساً عظيمة، ما زالت آثارها متبقية في نفوس النساء المسلمات، فكان للمرأة المسلمة دور مهم في ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليهالسلام) لا يمكن أن يُغفل؛ إذ وقع عليها واجب التبليغ بالرسالة الحسينية، ونشر العقيدة المهدوية، والعمل على توعية وتربية النشء الجديد؛ لغرض إقامة قاعدة شعبية قادرة على استيعاب الأُطروحة المهدوية، وفهم فلسفة الثورة العالمية وأهدافها؛ ومن هنا نرى النساء في العصـر الحالي يمارسن دوراً مكمّلاً لما قامت به النساء في واقعة الطفّ وهدفن إليه، فقد امتلكن صفات حميدة ومؤهّلات خاصّة، تؤهّلهنّ كي يصبحن ضمن العدّة المعدودة التي تلتحق لتُبايع صاحب العصر والزمان الإمام المهدي(عجل الله فرجه الشريف).
بقلم: مریم سجادي